الوقفة التاسعة: من صفات المنافقين أنهم يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة التاسعة مع آيات الحسبة في القرآن الكريم.

الآية التاسعة: قال تعالى: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:67].

ذكر سبحانه وتعالى في هذه الآية أنواعاً وضروباً من قبائح المنافقين ذكرانهم وإناثهم، وقرنها بالوعيد الشديد، بما أعد لهم من الجزاء في زمرة إخوانهم الكفرة الذين من قبلهم، على ما كانوا يقترفون من الفساد والإفساد، ومن صفاتهم: أنهم يأمرون بالمنكر، وينهون عن المعروف.

فقوله: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة:67] أي: ﴿المُنَافِقُونَ﴾ من الرِّجَال، ﴿وَالْمُنَافِقَاتُ﴾ من النِّسَاء، ﴿بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ أي: متشابهون فيه وصفاً وعملاً، كما تقول: أنت مني وأنا منك، أي: أمرنا واحد، لا افتراق بيننا، والمعنى: أن أهل النفاق رجالاً ونساء يتشابهون في صفاتهم وأخلاقهم وأعمالهم، كما قال تعالى في آل إبراهيم وآل عمران: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ﴾ [آل عمران:34]، وكما قال الشاعر:

تلك العصا من هذه العصيّه *** هل تلد الحيّة إلا حيّه

وقد يراد من قوله: ﴿بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ﴾ نفى أن يكونوا من المؤمنين؛ لأنهم اشتركوا في النفاق، فاشتركوا في تولي بعضهم بعضاً، وفي هذا قطع للمؤمنين من ولايتهم.

قال الرازي: “اعلم أن هذا شرح لنوع آخر من أنواع فضائحهم وقبائحهم، والمقصود بيان أن إناثهم كذكورهم في تلك الأعمال المنكرة، والأفعال الخبيثة، فقال: ﴿الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُم مِّن بَعْضٍ﴾ [التوبة:67] أي: في صفة النفاق، وذلك كما يقول إنسان لآخر: أنت مني وأنا منك، أي: أمرنا واحد لا مباينة فيه ولا مخالفة…”(1).

ويقول سيد قطب -رحمه الله- وهو يفسر هذه الآية، ويبين وجه انحراف المنافقين: “المنافقون والمنافقات من طينة واحدة، وطبيعة واحدة، المنافقون في كل زمان، وفي كل مكان، تختلف أفعالهم وأقوالهم، ولكنها ترجع إلى طبع واحد، وتنبع من معين واحد، سوء الطوية، ولؤم السريرة، والغمز والدس، والضعف عن المواجهة، والجبن عن المصارحة، تلك سماتهم الأصيلة، أما سلوكهم فهو الأمر بالمنكر، والنهي عن المعروف، والبخل بالمال إلا أن يبذلوه رئاء الناس، وهم حين يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف يستخفون بهما، ويفعلون ذلك دساً وهمساً وغمزاً ولمزاً؛ لأنهم لا يجرؤون على الجهر إلا حين يأمنون، إنهم: ﴿نَسُواْ اللّهَ﴾ [التوبة:67] فلا يحسبون إلا حساب الناس، وحساب المصلحة، ولا يخشون إلا الأقوياء من الناس، يذلون لهم، ويدارونهم: ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:67] الله فلا وزن لهم ولا اعتبار، وإنهم لكذلك في الدنيا بين الناس، وإنهم لكذلك في الآخرة عند الله، وما يحسب الناس حساباً إلا للرجال الأقوياء الصرحاء، الذين يجهرون بآرائهم، ويقفون خلف عقائدهم، ويواجهون الدنيا بأفكارهم، ويحاربون أو يسالمون في وضح النهار، أولئك ينسون الناس ليذكروا إله الناس، فلا يخشون في الحق لومة لائم، وأولئك يذكرهم الله فيذكرهم الناس، ويحسبون حسابهم”(2).

وفي قوله: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمُنكَرِ﴾ [التوبة:67] المنكر هنا: إما شرعي، وهو ما يستقبحه الشرع وينكره، وإما فطرى: وهو ما تستنكره العقول الراجحة، والفطر السليمة؛ لمنافاته للفضائل والمنافع الفردية والمصالح العامة.

وضده المعروف في كل ذلك، أي: أن بعضهم يأمر بعضاً بالمنكر: كالكذب، والخيانة، وإخلاف الوعد، ونقض العهد، كما جاء في الحديث: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان»(3) [رواه الشيخان عن أبى هريرة].

وقوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ﴾ [التوبة:67] ينهون عن المعروف: كالجهاد، وبذل المال في سبيل الله للقتال، كما حكى الله عنهم بقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنفِقُوا عَلَى مَنْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا﴾ [المنافقون:7]، واقتصر هنا من منكراتهم الفعلية على الامتناع عن البذل؛ لأنه شرها وأضرها وأقواها دلالة على النفاق، كما أن الإنفاق في سبيل الله أقوى دلائل الإيمان.

وقوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ [التوبة:67] وقبض الأيدي: يراد به الكف عن البذل، وضده بسط اليد، وقيل: قبض أيديهم عبارة عن ترك الجهاد، وفيما يجب عليهم من حق(4).

والحاصل أن في قوله: ﴿وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ﴾ أربعة أقاويل:

أحدها: يقبضونها عن الإنفاق في سبيل الله تعالى، قاله الحسن ومجاهد.

والثاني: يقبضونها عن كل خير، قاله قتادة.

والثالث: يقبضونها عن الجهاد مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، قاله بعض المتأخرين.

والرابع: يقبضون أيديهم عن رفعها في الدعاء إلى الله تعالى(5).

أو يكون المعنى: يبغضون المؤمنين، فهو إشارة إلى معنى قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا خَلَوْاْ عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾[آل عمران:119]، أو يكون المعنى: لا ينصرون المؤمنين(6).

وقوله: ﴿نَسُواْ اللّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة:67] أي: تركوا أوامره حتى صارت بمنزلة المنسيّ، ﴿فَنَسِيَهُمْ﴾ أي: فجازاهم على نسيانهم بحرمانهم من الثواب على ذلك في الآخرة.

وقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [التوبة:67] ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن الطاعة، المنسلخون عن فضائل الإيمان، فالمنافقون هم الفاسقون الكاملون في الفسق.

والنفاق: هو إظهار الخير وإسرار الشر، وهو نوعان:

اعتقادي، وعملي.

فالاعتقادي: هو النفاق الأكبر، وصاحبه مع الكفار مخلد معهم في النار.

قال السعدي: “حصر الفسق فيهم؛ لأن فسقهم أعظم من فسق غيرهم، بدليل أن عذابهم أشد من عذاب غيرهم، وأن المؤمنين قد ابتلوا بهم؛ إذ كانوا بين أظهرهم، والاحتراز منهم شديد(7).

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- في هذه الآية: جعل الله تعالى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرقاً بين المؤمنين والمنافقين، فدل على أن أخص أوصاف المؤمن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ورأسها الدعاء إلى الإسلام، والقتال عليه(8).

فالذي لا يأمر بالمعروف، ولا ينهى عن المنكر فهذا من المنافقين؛ لأنهم بالعكس في ذلك، فها هم اليوم يأمرون بالمنكر، بل يأمرون بكل منكر، ويدعون إليه، ويدعون المسلمين إلى أن يتخلوا عن دينهم، ويسمون التمسك بالدين تشدداً وغلواً، فيقولون: لا بد أن يترك المسلمون هذا، ولا بد أن تتمرد النساء، ويتركن الحجاب، اتركوا الولاء والبراء، واجعلوا الناس سواء ما بينهم فرق، هذا أمر بالمنكر.

فالمنافقون والمنافقات على طبيعة سواء يجمعهم النفاق، ويؤلف بينهم، من رجال ونساء، حتى لكأنهم أفراد أسرة واحدة، تجمعها لحمة النسب والقرابة، وتؤلف بينها مشاعر الحب والولاء، وذلك أن المنافق لا يجد المرعى الخصيب الذي يغذّي فيه نفاقه، ويحقق به وجوده، ويرضي فيه مشاعره إلا في بيئة منافقة، تتجاوب معه، وتروّج لهذه البضاعة التي يتعامل بها؛ ذلك أن بضاعة المنافقين بضاعة خبيثة، وطعام فاسد عفن، لا تقبله إلا النفوس المريضة، ولا تستطعمه إلا الطبائع الخبيثة، إنه عملة زائفة، لا تروج إلا في الظلام، ولا يتعامل المتعاملون بها إلا في أوكار اللصوص، وفي حانات الخمر، حيث تدور الرؤوس، وتذهب العقول(9).

2- أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من واجبات الدين، ولا بد منه في الإسلام، فإذا وجد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا علامة نجاة الأمة، وقد أمرنا الله سبحانه بالأمر والنهي، والأمر بالشيء مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلم المعروف لا يمكنه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مسبوق بمعرفته، فمن لا يعلمه لا يمكنه النهي عنه، وقد أوجب الله علينا فعل المعروف، وترك المنكر، فإن حب الشيء وفعله، وبغض ذلك وتركه لا يكون إلا بعد العلم بهما، حتى يصح القصد إلى فعل المعروف، وترك المنكر، فإن ذلك مسبوق بعلمه، فمن لم يعلم الشيء لم يتصور منه حب له ولا بغض، ولا فعل ولا ترك، لكن فعل الشيء والأمر به يقتضي أن يعلمه علماً مفصلاً يمكن معه فعله، والأمر به إذا أمر به مفصّلاً؛ ولهذا أوجب الله على الإنسان معرفة ما أمر به من الواجبات، مثل: صفة الصلاة والصيام والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإذا أمر بأوصاف فلا بد من العلم بثبوتها، فكما أنا لا نكون مطيعين إذا علمنا عدم الطاعة، فلا نكون مطيعين إذا لم نعلم وجودها، بل الجهل بوجودها كالعلم بعدمها، وكل منهما معصية، فإن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل في بيع الأموال الربوية، وأما معرفة ما يتركه، وينهى عنه فقد يكتفي بمعرفته في بعض المواضع مجملاً، فإن الإنسان يحتاج إلى معرفة المنكر وإنكاره، وقد يحتاج إلى الحجج المبينة لذلك، وإلى الجواب عما يعارض به أصحابها، وإلى دفع أهوائهم، وذلك يحتاج إلى إرادة جازمة وقدرة على ذلك، ولا يكون ذلك إلا بالصبر(10).

__________________________________________

(1) تفسير الفخر الرازي ج (4) (ص:470).

(2) في ظلال القرآن (3/ 1673).

(3) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان، باب علامة المنافق ج (1) (ص:21- 33)، وفي غيره من الأبواب، ومسلم في الإيمان، باب بيان خصال المنافق (59).

(4) تفسير القرطبي (8/ 199).

(5) تفسير الماوردي (النكت والعيون) (2/ 379).

(6) تفسير الألوسي (روح المعاني) (5/ 331).

(7) تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن) (ص:343).

(8) انظر: تفسير القرطبي (4/ 47).

(9) التفسير القرآني للقرآن (5/ 836).

(10) تفسير القاسمي (محاسن التأويل) (7/ 353).

 

 

Leave a comment

Your email address will not be published.

*