الوقفة الثالثة: خيرية هذه الأمة مرهونة بقيامها بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة الثالثة مع آيات الحسبة في القرآن الكريم.

الآية الثالثة: قال الله سبحانه تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:110].

في هذه الآية يبين الله -عز وجل- أن هذه الأمة هي خير الأمم وأفضلها وأكرمها على الله، وأن هذه الخيرية مناطة بالقيام بشعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي جعلها الله السبب الأول في خيرية هذه الأمة، فبها سمت، وبها ارتفعت على غيرها من الأمم، وبها تحصل النجاة من الهلكة.

وهذه الخصلة كانت موجودة في الأمم السابقة -كما سبق الإشارة إلى ذلك-، إلا أنه من العجيب كيف تربط خيرية هذه الأمة بها؟

والجواب: أن الأمم السابقة وإن كانت واجبة عليها إلا أنها أخفقت فيها، ونجحت فيها هذه الأمة، فهي القائمة بها إلى قيام الساعة.

فبنو إسرائيل مثلاً: أتاهم النقص والعذاب من هذه الجهة؛ وهي أنهم تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع أنه كان مفروضاً عليهم؛ فقد جاء عن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أول ما وقع النقص في بني إسرائيل كان الرجل يرى أخاه على الذنب فينهاه، ثم لا يمنعه منه من الغد أن يكون خليطه وشريبه، فضرب الله بقلوب بعضهم على بعض، وأنزل فيهم القرآن: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:78].. إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:81]»(1).

يقول سيد قطب -رحمه الله-: “ولقد نجحت هذه الأمة في مواطن كثيرة حيث أخفق بنو إسرائيل، ومن ثم نزع الله الخلافة في الأرض من بني إسرائيل، وائتمن عليها هذه الأمة، ومكنّ لها في الأرض ما لم يمكن لأمة قبلها؛ إذ إن منهج الله لم يتمثل تمثلاً كاملاً في نظام واقعي يحكم الحياة كلها، كما تمثل في خلافة الأمة المسلمة”(2).

وبسبب القيام بهذه الفريضة كانت هذه الأمة خير الأمم، وأما تفضيل بني إسرائيل على العالمين، فقد قال فيه القرطبي: “يريد على عالمي زمانهم؛ لأن أهل كل زمان عالم، وقيل: على كل العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء، وهذا خاصة لهم، وليست لغيرهم”(3).

وقيل: إنما حصل لهذه الأمة الخيرية على غيرها من الأمم؛ لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال، قال الفخر الرازي: “فإن قيل: من أي وجه يقتضي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإيمان بالله، كون هذه الأمة خير الأمم، مع أن هذه الصفات الثلاثة كانت حاصلة في سائر الأمم؟

والجواب: قال القفال: تفضيلهم على الأمم الذين كانوا قبلهم إنما حصل لأجل أنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بآكد الوجوه وهو القتال؛ لأن الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب وباللسان وباليد، وأقواها ما يكون بالقتال؛ لأنه إلقاء للنفس في خطر القتل، وأعرف المعروفات الدين الحق، والإيمان بالتوحيد والنبوة، وأنكر المنكرات: الكفر بالله، فكان الجهاد في الدين محملاً لأعظم المضار؛ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع، وتخليصه من أعظم المضار، فوجب أن يكون الجهاد أعظم العبادات؛ ولما كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع لا جرم، صار ذلك موجباً لفضل هذه الأمة على سائر الأمم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس أنه قال في تفسير هذه الآية: قوله:﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] تأمرونهم أن يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقروا بما أنزل الله، وتقاتلونهم عليه، و (لا إله إلا الله) أعظم المعروف، والتكذيب هو أنكر المنكر.

ثم قال القفال: فائدة القتال على الدين لا ينكره منصف؛ وذلك لأن أكثر الناس يحبون أديانهم بسبب الألف والعادة، ولا يتأملون في الدلائل التي تورد عليهم، فإذا أكره على الدخول في الدين بالتخويف بالقتل دخل فيه، ثم لا يزال يضعف ما في قلبه من حب الدين الباطل، ولا يزال يقوى في قلبه حب الدين الحق، إلى أن ينتقل من الباطل إلى الحق، ومن استحقاق العذاب الدائم إلى استحقاق الثواب الدائم”(4).

أما ابن عاشور -رحمه الله- فيقول: “لم يثبت أن صالحي الأمم كانوا يلتزمون الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ إما لأنه لم يكن واجباً عليهم، أو لأنهم كانوا يتوسعّون في حل التقية، وهذا هارون في زمن موسى عبدت بنو إسرائيل العجل بمرأى منه ومسمع، فلم يغيّر عليهم، وقد حكى الله محاورة موسى معه بقوله: ﴿قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طـه:92-94].

وأما قوله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:113-114].

فتلك فئة قليلة من أهل الكتاب، هم الذين دخلوا في الإسلام، مثل: عبد الله بن سلام، وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم، فلم يكونوا جمهرة الأمة”(5) انتهى كلامه.

وفي قوله: ﴿كُنتُمْ﴾: أي: وما زلتم؛ لأن الفعل (كان) يدل على وجود ما يسند إليه في زمن مضى، دون دلالة على استمرار، ولا على انقطاع إلا بالقرائن، قال صاحب روح البيان: “قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ ﴿كُنتُمْ﴾ من (كان) الناقصة التي تدل على تحقق شيء بصفة في الزمان الماضي من غير دلالة على عدم سابق أو لاحق، ويحمل على الدوام أو الانقطاع بحسب معونة المقام، ودلالة القرائن، فقولك: (كان زيدٌ قائماً) محمول على الانقطاع، وقوله سبحانه تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب:50] محمول على الدوام، ومنه قوله سبحانه تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:110]”(6).

فـ(كان) هنا إذن إما أن تكون من (كان) التامة، والمعنى: وجدتم وخلقتم خير أمة، على هذا الوصف الثابت لكم جبلةً وطبعاً، أو الناقصة، والمعنى: كنتم في علم الله خير أمة، أو في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة.

وقد ذكر ابن عادل -في اللباب- في (كان) هذه ستة أقوال:

أحدها: أنها ناقصة على بابها، وإذا كانت كذلك فلا دلالة لها على مُضِيٍّ وانقطاع، بل تصلح للانقطاع، نحو: (كان زيدٌ قائماً)، وتصلح للدوام، كقوله: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:96]، وقوله: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً﴾ [الإسراء:32]، فهي هنا بمنزلة: لم يزل، وهذا بحسب القرائن.

وقال الزمخشري: “كان عبارة عن وجود الشيء في زمنٍ ماضٍ على سبيل الإبهام، وليس فيه دليل على عدم سابق، ولا على انقطاع طارئ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:96]، وقوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110]، كأنه قيل: وُجِدتم خيرَ أمة”(7).

وقال أبو حيان -تعليقاً على كلام الزمخشري-: “قوله: (لم يدل على عدم سابق) هذا إذا لم يكن بمعنى: (صار)، فإذا كان بمعنى: (صار) دلت على عدم سابق، فإذا قلتَ: (كان زيدٌ عالماً) بمعنى: (صار زيدٌ عالماً)، دل على أنه نقل من حالة الجَهْل إلى حالة العلم.

وقوله: (ولا على انقطاع طارئ) قد ذكرنا قبل أن الصحيح أنها كسائر الأفعال، يدل لفظ المُضِيّ منها على الانقطاع، ثم قد يستعمل حيث لا انقطاع، وفرق بين الدلالة والاستعمال، ألا ترى أنك تقول: هذا اللفظ يدل على العموم، ثم قد يستعمل حيث لا يراد العموم، بل يراد الخصوص.

وقوله: (كأنه قيل: وجدتم خير أمة) هذا يعارض قوله: إنها مثل قوله: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:96]؛ لأن تقديره: وجدتم خير أمة يدل على أنها التامة، وأن ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ حال، وقوله: ﴿وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [النساء:96] لا شك أنها هنا الناقصة، فتعارضا.

قال شهابُ الدين: “لا تعارُضَ؛ لأن هذا تفسير معنًى لا إعراب.

الثاني: أنها بمعنى: (صرتم) و(كان) تأتي بمعنى: (صار) كثيراً، كقوله: (من الطويل):

بِتَيْهَاءَ قَفْرٍ وَالْمَطِيُّ كأنَّهَا *** قَطَا الْحَزْنِ قَدْ كَانَتْ فِرَاخاً بُيُوضُهَا

أي: صارت فراخاً.

الثالث: أنها تامة بمعنى: (وجدتم) و﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ على هذا منصوب على الحال، أي: وجدتم على هذه الحال.

الرابع: أنها زائدة، والتقدير: أنتم خير أمة، وهذا قول مرجوح أو غلط لوجهين:

أحدهما: أنها لا تزاد أولاً، وقد نقل ابنُ مالك الاتفاق على ذلك.

الثاني: أنها لا تعمل في (خير) مع زيادتها.

وفي الثاني نظر؛ إذ الزيادة لا تنافي العمل لما تقدم عند قوله: ﴿وَمَا لَنَا أَلاَّ نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا﴾[البقرة:246].

الخامس: أنها على بابها، والمراد: كنتم في علم الله، أو في اللوح المحفوظ، أو في الأمم السالفة، مذكورين بأنكم خير أمة.

السادس: أن هذه الجملة متصلة بقوله: ﴿فَفِي رَحْمَةِ اللّهِ﴾ [آل عمران:107] أي: فيقال لهم يوم القيامة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:110] وهو بعيد جِدًّا”(8).

“وعبر بالماضي في قوله: ﴿كُنتُمْ﴾: لأن الفعل قد يأتي بنية الماضي وهو حاضر أو مستقبل؛ كقوله تعالى في هذه الآية: ﴿كُنتُمْ﴾ ومعناه: أنتم، ومثله: ﴿وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى﴾ [المائدة:116] أي: وإذ يقول، ومثله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللّهِ﴾[النحل:1] أي: سيأتي، ومثله: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ [مريم:29] أي: من هو في المهد، ومثله: ﴿وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء:134] أي: والله سميع بصير، ومثله: ﴿فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ﴾ [فاطر:9] أي: فنسوقه”(9).

والخطاب في قوله: ﴿كُنتُمْ﴾ إما لأصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ونقل ذلك عن عمر بن الخطاب وابن عباس، قال عمر: “هذه لأولنا، ولا تكون لآخِرنا”، وعلل بعضهم إن الخطاب لأصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم- بقوله: إذ لو شاء الله تعالى لقال: (أنتم)، وكان هذا التشريف حاصلاً لكلنا، ولكن قوله: ﴿كُنتُمْ﴾ مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهم السابقون الأولون(10).

ولا شك أن الصحابة كانوا أفضل القرون التي ظهرت في العالم؛ لأن رسولهم -صلى الله عليه وسلم- أفضل الرسل؛ ولأن الهدى الذي كانوا عليه لا يماثله هدى أصحاب الرسل الذين مضوا، فإن أخذت الأمة باعتبار الرسول -صلى الله عليه وسلم- فيها فالصحابة أفضل أمة من الأمم مع رسولها -صلى الله عليه وسلم-، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «خير القرون قرني»(11)، والفضل ثابت للجموع على المجموع، وإن أخذت الأمة من عدا الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكذلك الصحابة أفضل الأمم التي مضت بدون رُسلها، وهذا تفضيل للهدى الذي اهتدوا به، وهو هدى رسولهم محمد -صلى الله عليه وسلم- وشريعته.

وإما أن يكون الخطاب بضمير ﴿كُنْتُمْ﴾ للمسلمين كلهم في كل جيل ظهروا فيه، ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض الكفايات لا تقوم به جميع أفراد الأمة؛ لأنه لا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر، على حسب مبلغ العلم، ومنتهى القدرة، فمن التغيير على الأهل والولد، إلى التغيير على جميع أهل البلد.

أو لأن وجود طوائف القائمين بهذا الأمر في مجموع الأمة أوجب فضيلة لجميع الأمة؛ لكون هذه الطوائف منها كما كانت القبيلة تفتخر بمحامد طوائفها، وفي هذا ضمان من الله تعالى بأن ذلك لا ينقطع من المسلمين -إن شاء الله تعالى-(12).

والراجح أن الخطاب في الآية للمؤمنين الذين تلقوا الوحي من النبي -صلى الله عليه وسلم-، والذين اتبعوهم بإحسان إلى يوم الدين، فمن اتصف من هذه الأمة بهذه الصفات دخل معهم في هذا الثناء والمدح؛ ولهذا كان عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- إذا قرأ هذه الآية يقول: “يا أيها الناس مَنْ أراد أن يكون من هذه الأمةِ فليُؤَدِّ شَرْط الله فيها”(13).

وهذا ما أيده الفخر الرازي حيث قال: “قال الزجاج: قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:110] ظاهر الخطاب فيه لأصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه عام في كل الأمة، ونظيره قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة:183]،﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ [البقرة:178]، فإن كل ذلك خطاب مع الحاضرين بحسب اللفظ، ولكنه عام في حق الكل كذا هاهنا”(14).

قوله: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:110] أي: أفضل الأمم وخيرها، يقول ابن كثير -رحمه الله-: “يخبر تعالى عن هذه الأمة المحمدية بأنهم خير الأمم، فقال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110].

والإضافة في قوله: ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي كنتم أمةً خير أمة أخرجت للناس، فالمراد بالأمة الجماعة، وأهل العصر النبوي مثل القرن، وهو إطلاق مشهور، ومنه قوله تعالى: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:45]أي: بعد مدة طويلة كمدة عصر كامل.

والمراد بـــــــ ﴿أُمَّةٌ﴾ عموم الأمم كلها على ما هو المعروف في إضافة أفعل التفضيل إلى النكرة أن تكون للجنس، فتفيد الاستغراق”(15).

فيكون معنى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:110] أي: وجدتم على حالة الخيرية على جميع الأمم، أي: حصلت لكم هذه الخيرية بحصول أسبابها ووسائلها؛ لأنهم اتصفوا بالإيمان، والدعوة للإسلام، وإقامته على وجهه، والذب عنه النقصان والإضاعة، فلما جُعل ذلك من واجبهم، وقد قام كل بما استطاع، فقد تحقّق منهم القيام به، أو قد ظهر منهم العزم على امتثاله، كلما سنح سانح يقتضيه، فتحقق أنهم خير أمة على الإجمال.

وهذا الكلام في الآية سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق، والدعوة إلى الخير، كذا قيل، أو للتعليل لأمرهم بالدعوة إلى الخير، يقول ابن عاشور: “قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110] يتنزّل هذا منزلة التَّعليل لأمرهم بالدعوة إلى الخير وما بعده، فإن قوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ حال من ضمير ﴿كُنْتُمْ﴾ فهو مؤذن بتعليل كونهم خيرَ أمة، فيترتب عليه أن ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم إن لم يكن مفروضاً من قبل، وأن يؤكد عليهم فرضه إن كان قد فرض عليهم من قبل”(16).

“وهذه الخيرية التي قدرها الله لهذه الأمة منوطة بتحقيق أمرين:

أحدهما: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

والثاني: الإيمان المطلق بالله، والإذعان له، وتفويض الأمور إليه بعد الأخذ في الأسباب، واعتقاد أنه لا قوة في هذا الوجود غير قوته، ولا معبود بحق سواه، ولا خضوع لأحد كائناً من كان غيره تعالت قدرته، فليست الخيرية التي خاطب الله بها المهاجرين والأنصار والذين يتبعونهم لأنهم مسلمون فقط، أو لأشخاصهم وذواتهم، بل لأنهم متصفون بأوصاف هي علة هذه الخيرية، ومناط تلك الرفعة الإلهية، وتلك الأوصاف هي: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله”(17).

وهذه الخيرية أيضاً عامة في الدنيا وفي الآخرة، تنبني عليها السعادة في الدارين؛ من سعة الرزق والأمن والطمأنينة والنصرة على الأعداء.. وغيرها، وكذلك في الآخرة بدخول الجنان، ورضا الرحمن.

وقد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال في قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110]:«إنكم تتمون سبعين أمة، أنتم خيرها، وأكرمها على الله»(18).

يقول الشيخ السعدي -رحمه الله-: “فهذا تفضيل من الله لهذه الأمة بهذه الأسباب التي تميزوا بها، وأفاقوا بها سائر الأمم، وأنهم خير الناس للناس نصحًا، ومحبة للخير، ودعوة، وتعليمًا، وإرشادًا، وأمرًا بالمعروف، ونهيًا عن المنكر، وجمعًا بين تكميل الخلق، والسعي في منافعهم بحسب الإمكان، وبين تكميل النفس بالإيمان بالله، والقيام بحقوق الإيمان”(19).

وليست هذه الخيرية مرادفة للقوة، فالخيرية هي أن يكون المجتمع فاضلاً، يقوم بحق العدل، وأن يكون كل شيء فيه بقسطاس مستقيم، وأن تسوده الأخلاق الكريمة، والسلوك القويم، وأما القوة فالأمر فيها لسيطرة المادة، والغلبة والاستعداد الحربي، وإنا نرى أقوى الأمم الآن أشدها انتهاكاً لحرمات الفضيلة في داخلها وخارجها، ومن الأمم الضعيفة ما يكون للفضيلة فيها موضع، وللأمانة فيها سلطان، وللحق فيها أنصار، ولا شك أنها أقرب إلى الخير من تلك الأمم القوية.

وفي الجملة فإن القوة تستمد من المادة إذا انفصلت عن الفضيلة، والخيرية تستمد من الحق والعدل والفضائل الإنسانية، والمساواة بين بني الإنسان من غير عصبية جنسية أو إقليمية، وهما في عصرنا الحاضر متمايزان لسيطرة المادة على الأقوياء، وفقدانهم قوة الإيمان(20).

وفي قوله تعالى: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] قولان:

الأول: أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار، فقوله: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ أي: أظهرت للناس حتى تميزت وعُرفت، وفُصل بينها وبين غيرها.

والثاني: أن قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ من تمام قوله: ﴿كُنتُمْ﴾ والتقدير: كنتم للناس خير أمة، ومنهم من قال: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ صلة، والتقدير: كنتم خير أمة للناس(21).

قال ابن عاشور: “وقوله: ﴿أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الإخراج مجاز في الإيجاد والإظهار، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [طه:88] أي: أظهر بصوغه عجلاً جسداً، والمعنى: كنتم خير الأمم التي وجدت في عالم الدنيا، وفاعل: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ معلوم، وهو الله موجد الأمم، والسائق إليها ما به تفاضلها، والمراد بالناس جميع البشر من أول الخليقة”(22).

وقال ابن عادل: “قوله: ﴿أُخْرِجَتْ﴾ يجوز في هذه الجملة أن تكون في مَحَلِّ جَرٍّ نعتاً لـ ﴿أُمَّةٍ﴾ وهو الظاهر، وأن تكون في محل نصب نعتاً لـ ﴿خَيْرَ﴾ وحينئذٍ يكون قد روعي لفظ الاسم الظاهر بعد وروده بعد ضمير الخطاب، ولو روعي ضمير الخطاب لكان جائزاً أيضاً، وذلك أنه إذا تقدم ضميرُ حاضرٍ متكلِّماً كان أو غائباً أو مخاطباً، ثم جاء بعده خبره اسماً ظاهراً، ثم جاء بعد ذلك الاسم الظاهر ما يصلح أن يكون وصفاً له كان للعرب فيه طريقان:

أحدهما: مراعاة ذلك الضمير السابق فيطابقه بما في تلك الجملة الواقعة صفة للاسم الظاهر.

الثانية: مراعاة ذلك الاسم الظاهر، فيبعد الضمير عليه منها غائباً، وذلك كقولك: أنت رجل يأمر بالمعروف بالخطاب، مراعاة لـ (أنت)، وبالغيبة مراعاة للفظ (رجل)، وأنا امرؤ أقول الحق، بالمتكلم مراعاة لـ (أنا)، ويقول الحق، مراعاة لــــ (امرؤ)، وبالغيبة مراعة للفظ (امرؤ)، ومن مراعاة الضمير، قوله تعالى: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [النمل:55].

وقوله: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل:47].

وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»(23).

وقول الشاعر (من الطويل):

وَأنْتَ امْرُؤٌ قَدْ كَثَّأتْ لَكَ لِحْيَةٌ *** كَأنَّكَ مِنْهَا قَاعِدٌ في جُوَالِقِ

ولو قيل: في الآية الكريمة: أخْرِجْتُمْ مراعاة لــ ﴿كُنْتُمْ﴾ لكان جائزاً من حيث اللفظ، ولكن لا يجوز أن يُقْرأ به؛ لأن القراءةَ سنَّة مُتَّبَعَةٌ، فالأولَى أن تُجْعَل الجملة صفة لـ ﴿أمَّةٍ﴾ لا لـ ﴿خَيْرَ﴾ لتناسب الخطاب في قوله: ﴿تَاْمُرُونَ﴾(24)انتهى.

وفي التعبير بـ ﴿أُخْرِجَتْ﴾ دلالة على أن الله أعدها وأخرجها بعناية للناس، يقول سيد قطب: “إن القرآن وهو ينشئ هذه الأمة وينشئها، وهو يخرجها إلى الوجود إخراجاً، كما قال الله تعالى في التعبير القرآني الدقيق: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] إن القرآن وهو ينشئ هذه الأمة من حيث لم تكن؛ وينشئها لتصبح أمة فريدة في تاريخ البشر:﴿ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ويجب أن نؤكد هذه الحقيقة ونوضحها قبل المضي في الحديث: حقيقة إنشاء القرآن لهذه الأمة وتنشئتها معاً، فقد كانت على التحقيق إنشاء وتنشئة، كانت ميلاداً جديداً للأمة؛ بل ميلادًا جديداً للإنسان في صورة جديدة، ولم تكن مرحلة في طريق النشأة؛ ولا خطوة في سبيل التطور، ولا حتى وثبة من وثبات النهضة! إنما كانت على وجه التحديد نشأة وميلاداً للأمة العربية وللإنسان كله”(25).

وفي قوله تعالى: ﴿لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] أوجه:

أحدها: أن تتعلق بـ﴿أُخْرِجَتْ﴾، ومعناه: ما أخرج الله أمة خيراً من أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وفي الحديث:«ألا وَإنَّ هَذِه الأمة تُوفِّي سبعين أمة، أنتم خَيْرُهَا وَأكْرَمُهَا عَلَى اللهِ تَعَالَى»(26).

الثاني: أنه متعلق بـ ﴿خَيْرَ﴾ أي: أنتم خير الناس للناس.

قال أبو هريرة: “معناه: كنتم خير الناس للناس؛ تجيئون بهم في السلاسل، فتُدْخلونهم في الإسلام”(27).

وقال قتادة: “هم أمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، لم يؤمر نبيٌّ قبله بالقتال، فهم يقاتلون الكفار، فيُدْخلونهم في الإسلام، فهم خير أمةٍ للناس”(28).

والفرق بينهما من حيث المعنى: أنه لا يلزم أن يكونوا أفضلَ الأمم في الوجه الثاني من هذا اللفظ، بل من موضع آخر.

الثالث: أنه متعلِّق من حيث المعنى لا من حيث الإعراب، بـ ﴿تَأمُرُونَ﴾ على أن مجرورَها مفعول به، فلما تقدم ضَعُفَ العامل، فَقُوِّيَ بزيادة اللام، كقوله: ﴿إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ﴾ [يوسف:43] أي: إن كنتم تعبرون الرؤيا(29).

فيكون معنى قوله: ﴿لِلنَّاسِ﴾ أي: “لنفعهم، تأمرون بالمعروف الموصل إلى مقام التوحيد، وتنهون عن المنكر وهو القول بتحقق الكثرة على الحقيقة”(30).

فخيرية هذه الأمة يرجع لنفعها المتعدي للناس، كونهم خير الأمم لبني آدم، وأنفعهم لهم، وأعظمهم إحساناً إليهم؛ لأنهم كملوا كل خير ونفع للناس؛ بأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، يعاقبونهم بالقتل والأسر، ومقصودهم بذلك الإحسان إليهم، وسوقهم إلى كرامة الله ورضوانه، وإلى دخول الجنة، قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: “كنتم خير الناس للناس، تأتون بهم في الأقياد والسلاسل، تدخلونهم الجنة”(31).

وقال البخاري: “حدثنا محمد بن يوسف عن سفيان عن مَيْسَرة عن أبي حازم عن أبي هريرة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] قال: خَيْرَ الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام”(32).

وهكذا قال ابن عباس ومُجاهد وعِكْرِمة وعَطاء والربيع بن أنس وعطية العَوْفي: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] يعني: خَيْرَ الناس للناس، والمعنى: أنهم خير الأمم وأنفع الناس للناس؛ ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110].

وهذه الخيرية لا تثبت لهذه الأمة إلا إذا حافظت على هذه الأصول الثلاثة، فإذا تركتها لم تكن لها هذه المزية، فمن لم يتصف من هذه الأمة بذلك أشبه أهل الكتاب الذين ذمهم الله بقوله: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:79]، أي: لا ينهى بعضهم بعضاً عن ارتكاب المآثم والمحارم، وذمهم على ذلك لنحذر من ارتكاب مثل الذي ارتكبوه، فقال:﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:79] مؤكداً بلام القسم تقبيحاً لصفتهم، وتحذيراً من سوء فعلهم.

وقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110] فهذه هي الصفات التي فضلوا بها على غيرهم، قال القرطبي: “قوله تعالى: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:110] مدح هذه الأمة ما أقاموا ذلك واتصفوا به، فإذا تركوا التغيير، وتَواطَئوا على المنكر زال عنهم اسم المدح، ولحقهم اسم الذم، وكان ذلك سبباً لهلاكهم”(33).

وقال أبو حيان: “وحكم عليهم بأنهم خيرُ أمة، ولم يبين جهة الخيرية في اللفظ، وهي: سبقهم إلى الإيمان برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وبدارهم إلى نصرته، ونقلهم عنه علم الشريعة، وافتتاحهم البلاد، وهذه فضائل اختصوا بها مع ما لهم من الفضائل، وكل من عمل بعدهم حسنة فلهم مثل أجرها؛ لأنهم سببٌ في إيجادها؛ إذْ هم الذين سنوها، وأوضحوا طريقها: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجرهم شيئاً»(34)(35).

وجملة: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران:110] موقعها من الإعراب: إما أن تكون جملة حالية من ضمير الخطاب، وإما أن تكون كلاماً مستأنفاً مفصولاً؛ ولذا قال الفخر الرازي في التفسير الكبير: “اعلم أن هذا الكلام مستأنف، والمقصود منه بيان علة تلك الخيرية، كما تقول: زيد كريم، يطعم الناس ويكسوهم، ويقوم بما يصلحهم، وتحقيق الكلام: أنه ثبت في أصول الفقه: أن ذكر الحكم مقروناً بالوصف المناسب له يدل على كون ذلك الحكم معللاً بذلك الوصف، فهنا حكم بثبوت وصف الخيرية لهذه الأمة، ثم ذكر عقيبه علة هذا الحكم”(36).

ويمكن القول أن في جملة: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ أوجهًا:

الأول: أنها خبر ثان لِـ ﴿كُنْتُمْ﴾، ويكون قد راعى الضمير المتقدم في ﴿كُنْتُمْ﴾، ولو راعى الخبر لقال: يأمرون بالغيبة، وقد تقدم تحقيقه.

الثاني: أنها في محل نصب على الحال، قاله الراغب وابن عطية.

الثالث: أنها في محل نصب نعتاً لِـ ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وأتى بالخطاب لما تقدم، قاله الحوفي.

الرابع: أنها مستأنفة بيَّن بها كونهم خير أمة، كأنه قيل: السبب في كونكم خير الأمم هذه الخصال الحميدة، والمقصود بيان علة تلك الخيرية، كقولك: زيد كريم؛ يُطعِم الناسَ ويكسوهم لأن ذِكْرَ الحكم مقروناً بالوصف المناسِب له يُشْعِر بالعلِّيَّةِ، فهاهنا لما ذكر عقيب الخيرية أمْرَهم بالمعروف ونَهْيَهُم عن المنكر، أوجب أن تكون تلك الخيرية لهذا السبب، وهذا أغرب الأوجه(37).

(والألف واللام) في لفظ: ﴿المعروف﴾ ولفظ: ﴿المنكر﴾ يفيدان الاستغراق، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكر، و﴿المعروف﴾ هو كل ما عرفه الشرع وأجازه، و﴿المنكر﴾ هو ما خالف ذلك؛ لأنه (أل) في المعروف والمنكر تقتضي الاستغراق، أي: أنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر، فإذا أمروا بشيء فلا بد أن يكون معروفاً، وإذا نهوا عن شيء فلا بد أن يكون منكراً، وإذا كانوا بهذا الوصف فإنه يجب قبول قولهم، وهذا هو معنى حجية الإجماع.

ففي هذه الآية دليل على أن إجماع الأمة حُجَّة: يقول الفخر الرازي: “احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حُجَّة، وتقريره من وجهين:

الأول: قوله تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف:159]، ثم قال في هذه الآية: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران:110]، فوجب بحكم هذه الآية أن تكون هذه الأمة أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق؛ إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق؛ لأن المبطل يمتنع أن يكون خيراً من المحق، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة.

الوجه الثاني: وهو (أن الألف واللام) في لفظ: ﴿المعروف﴾ ولفظ: ﴿المنكر﴾ يفيدان الاستغراق، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكر، ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقاً وصدقاً لا محالة، فكان حجة”(38).

وقال ابن عاشور: “وقد شاع عند العلماء الاستدلال بهذه الآية على حجية الإجماع، وعصمته من الخطأ؛ بناء على أن التعريف في المعروف والمنكر للاستغراق، فإذا أجمعت الأمة على حكم لم يجز أن يكون ما أجمعوا عليه منكراً، وتعيّن أن يكون معروفاً؛ لأن الطائفة المأمورة بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر في ضمنهم، ولا يجوز سكوتها عن منكر يقع، ولا عن معروف يترك، وهذا الاستدلال إن كان على حجية الإجماع بمعنى الشرع المتواتر المعلوم من الدين بالضرورة، فهو استدلال صحيح؛ لأن المعروف والمنكر في هذا النوع بديهي ضروري، وإن كان استدلالاً على حجية الإجماعات المنعقدة عن اجتهاد، وهو الذي يقصده المستدلون بالآية، فاستدلالهم بها عليه سفسطائي؛ لأن المنكر لا يعتبر منكراً إلا بعد إثبات حكمه شرعاً، وطريق إثبات حكمه الإجماع، فلو أجمعوا على منكر عند الله خطأ منهم لما كان منكراً حتى ينهي عنه طائفة منهم؛ لأن اجتهادهم هو غاية وسعهم”(39).

وقد بين شيخ الإسلام -رحمه الله- هذا المعنى بقوله: “… فإن إجماع هذه الأمة حجة؛ لأن الله تعالى أخبر أنهم يأمرون بكل معروف، وينهون عن كل منكر؛ فلو اتفقوا على إباحة محرم، أو إسقاط واجب؛ أو تحريم حلال، أو إخبار عن الله تعالى أو خلقه بباطل لكانوا متصفين بالأمر بمنكر، والنهي عن معروف؛ بل الآية تقتضي أن ما لم تأمر به الأمة فليس من المعروف، وما لم تنه عنه فليس من المنكر، وإذا كانت آمرة بكل معروف، ناهية عن كل منكر، فكيف يجوز أن تأمر كلها بمنكر، أو تنهى كلها عن معروف؟!”(40).

إذاً: فالمعروف في هذه الآية كلمة جامعة لكل ما أمر الله به، أمر إيجاب أو أمر استحباب، والمنكر: كلمة جامعة، لكل ما نهى الله عنه; فأعظم ما نهى الله عنه الشرك والكفر ووسائلهما وذرائعهما.

“فالمعروف الذي تُقْدم الأمة الإسلامية على الأمر به هو الحق وهو الخير، وهو الفضيلة، وهو العدل، وهو الرحمة، وهو كل هذه الآداب السامية، والشِّيَمُ الجميلة التي أتى بها الإسلام، والتي يتضمَّنها الإيمان، مُبتدِئةً بإماطة الأذى عن الطريق، حتى تنتهي بشهادة: أن لا إله إلا الله.

والمُنكَر الذي تُحاربه الأمة الإسلامية، وتنتهي عنه إنما هو الرذيلة بجميع ضُروبها، وهو الظلم على اختلاف ألوانه، وهو التعدِّي غَدْرًا وخِيانة، وهو كل ضرْبٍ مِن ضروب البطش والجَبَرُوت.

إن الأمة الإسلامية خير أمةٍ أُخرجت للناس لأمْرِها بالمعروف، ونهْيِها عن المُنكَر، ثُم لإيمانها بالله الذي حدَّد الله في نِطاقه تحديدًا كاملاً الخير والشر”(41).

“ونجد دائرة المنكرات تتسع وتتسع لتشمل كثيراً مما يعده الناس في صلب السياسة، فهل يسع المسلم الشحيح بدينه، الحريص على مرضاة ربه أن يقف صامتًا؟! أو ينسحب من الميدان هارباً أمام هذه المنكرات.. وغيرها خوفاً أو طمعاً، أو إيثاراً للسلامة؟ إن مثل هذه الروح إن شاعت في الأمة، فقد انتهت رسالتها، وحكم عليها بالفناء؛ لأنها غدت أمة أخرى غير الأمة التي وصفها الله بقوله سبحانه: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110].

ويصح أن نقول: إن الحكم بالخيرية مبهم، وقد بينه سبحانه بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:110]، فالخيرية التي حكم سبحانه وتعالى بها هي هذه الأوصاف، وهذا ينطبق على المثل الذي ساقه الرازي، وهو: (فلان كريم، يطعم ويكسو) فإن يطعم ويكسو تفسير لمعنى كرمه، وبيان له، فالاستئناف إذن ليس لأن جملة ﴿تَأْمُرُونَ﴾ علة للخيرية، بل هي بيان للخيرية؛ ولذلك لا ينطبق الحكم بالخيرية على من لا يتصف بهذه الصفات، فالجماعات التي تهمل الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ولا يكون فيها إيمان لا يمكن أن تكون خير أمة، بل لا توصف بالخيرية قط؛ لأنه لا خير إلا في الفضائل والحق والعدل، ولا تقوم هذه الأمور إلا بالإيمان”(42).

“ومن الفوائد من قوله: ﴿تَأْمُرُونَ﴾ أي: على سبيل التجدد والاستمرار؛ لأنها جملة فعلية تفيد التجدد، فهذه صفتهم مستمرة لا تنقطع إلى يوم القيامة.

وقوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بالله﴾ المراد به الإيمان الشامل بجميع ما يجب الإيمان به؛ لأن الإيمان إنما يعتد به، ويستحق أن يقال له: إيمان إذا آمن بالله تعالى على الحقيقة، وحقيقة الإيمان بالله تعالى أن يستوعب جميع ما يجب الإيمان به، فلو أخل بشيء منه لم يكن من الإيمان بالله تعالى في شيء، والمقام يقتضيه؛ لكونه تعريضاً بأهل الكتاب، وأنهم لا يؤمنون بجميع ما يجب الإيمان به كما يشعر بذلك التعقيب بنفي الإيمان عنهم، مع العلم بأنهم مؤمنون في الجملة، وأيضاً المقام مقام مدح للمؤمنين بكونهم خير أمة أخرجت للناس، وهذه الجملة معطوفة على ما قبلها المعلل للخيرية، فلو لم يرد الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به لم يكن مدحاً، فلا يصلح للتعليل والعطف يقتضيه”(43).

فالإيمان بالله -عز وجل-، والدعوة إليه، والنصح والتعاون على البر والتقوى، والتواصي بالحق والصبر، وإشاعة الخير والفضيلة بين الناس، ومحاربة الشر والرذيلة والفساد، واستئصاله من المجتمع من أبرز سمات هذه الأمة التي فاقت بها سائر الأمم؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في هذا الدين، والمهمة الكبرى للأنبياء والمرسلين والصالحين، بل قد عده بعض أهل العلم ركناً سادساً من أركان الإسلام.

فإن قيل: لمَ أخر الإيمان عن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورتبة كما هو الظاهر؟

الجواب: قيل: لأن الإيمان مشترك بين جميع الأمم دون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فهما أظهر في الدلالة على الخيرية، ويجوز أن يقال: قدمهما عليه للاهتمام، وكون سوق الكلام لأجلهما، وأما ذكره فكالتتميم، ويجوز أيضاً أن يكون ذلك للتنبيه على أن جدوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الدين أظهر مما اشتمل عليه الإيمان بالله تعالى؛ لأنه من وظيفة الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-، ولو قيل: قدما وأخر للاهتمام؛ وليرتبط بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم﴾ [آل عمران:110] لم يبعُد(44).

وقيل: قُدما لأنهما سياج الإيمان وحفاظه، فكان تقديمها في الذكر موافقاً للمعهود عند الناس في جعل سياج كل شيء مقدماً عليه.

قال ابن عاشور: “وإنما قدّم: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:110] على قوله: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾[آل عمران:110]؛ لأنهما الأهم في هذا المقام المسوق للتنويه بفضيلة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، الحاصلة من قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:104]، والاهتمام الذي هو سبب التقديم يختلف باختلاف مقامات الكلام، ولا ينظر فيه إلى ما في نفس الأمر؛ لأن إيمانهم ثابت محقّق من قبل.

وإنما ذكر الإيمان بالله في عداد الأحوال التي استحقوا بها التفضيل على الأمم؛ لأن لكل من تلك الأحوال الموجبة للأفضلية أثراً في التفَّضيل على بعض الفرق، فالإيمان قصد به التفضيل على المشركين الذين كانوا يفتخرون بأنهم أهل حرم الله، وسدنة بيته، وقد ردّ الله ذلك صريحاً في قوله: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ﴾ [التوبة:19]، وذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قصد به التفضيل على أهل الكتاب، الذين أضاعوا ذلك بينهم، وقد قال تعالى فيهم: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:79]”(45).

وقد ذكر الزرقاني سبب هذا التقديم بقوله: “وهكذا قدم الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان به تنويهاً بجلالتهما، وحثاً على التمسك بحبلهما، وإشارة إلى أن الإيمان بالله لا يصان، ولا يكون إلا بهما”(46).

وقال القاسمي في محاسن التأويل: “وإنما أخر ذلك عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع تقدمه عليهما وجوداً ورتبة؛ لأن دلالتهما على خيريتهم للناس أظهر من دلالته عليها؛ وليقترن به ما بعده”(47).

وقال الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-: “ولا نعلم السر في هذا التقديم إلا عظم شأن هذا الواجب، وما يترتب عليه من المصالح العظيمة العامة، ولا سيما في هذا العصر، فإن حاجة المسلمين وضرورتهم إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر شديدة؛ لظهور المعاصي، وانتشار الشرك والبدع في غالب المعمورة”(48).

وعلل الرازي سبب التقديم بقوله: “إن الإيمان بالله أمر مشترك فيه بين جميع الأمم المحقة، ثم إنه تعالى فضل هذه الأمة على سائر الأمم المحقة، فيمتنع أن يكون المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الإيمان الذي هو القدر المشترك بين الكل، بل المؤثر في حصول هذه الزيادة هو كون هذه الأمة أقوى حالاً في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من سائر الأمم، فإذن المؤثر في حصول هذه الخيرية هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأما الإيمان بالله فهو شرط لتأثير هذا المؤثر في هذا الحكم؛ لأنه ما لم يوجد الإيمان لم يصر شيء من الطاعات مؤثراً في صفة الخيرية، فثبت أن الموجب لهذه الخيرية هو كونهم آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وأما إيمانهم فذاك شرط التأثير، والمؤثر ألصق بالأثر من شرط التأثير؛ فلهذا السبب قدم الله تعالى ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على ذكر الإيمان”(49).

ويقول صاحب زهرة التفاسير: “وهنا قد يسأل سائل: لماذا قدم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الإيمان؟ ولماذا اقتصر في الإيمان على الإيمان بالله، ولم يذكر الإيمان بالرسل والملائكة واليوم الآخر والحساب والعقاب.. وغير ذلك مما يوجبه الإيمان، ولا يعد الشخص مؤمناً إلا به؟

ويجاب عن السؤال الأول:

بأن ذكر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مقدماً لبيان أنه مطلوب لذاته، وأنه فضيلة لا تختلف فيها الأمم، ولا الجماعات، فهو كالصدق والعدل والحق تتفق عليها الأفهام، بل ولا يمكن أن يتحقق بنيان جماعة من غير تحققه، وإلا كانت كالذئاب الضارية، أو كانت كالوحوش في الغابة، والإيمان سياج الجماعة وحمايتها من أن تضل، وكأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي يقوم به بناء الجماعة، والإيمان هو الذي يحميها، ويسدد خطاها، فذكر ما يقوم به البناء، ثم ذكر ما يكون به ذلك البناء في دائرة الفضيلة والأخلاق الكريمة وهو الإيمان، وفي الحقيقة هما متلازمان، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والتواصي بالحق يتبعه إيمان، والإيمان الحق بالله تعالى والإذعان لأوامره ونواهيه يتبعه حتماً الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

أما لماذا اقتصر على ذكر الإيمان بالله؟ فهو أن الإيمان بالله هو لب الإيمان بكل أجزائه وعناصره، فالإيمان بالله هو الإذعان المطلق لقوة غيبية تسير هذا الكون وتدبره، وتقوم على كلاءته وحمايته، والإيمان بقوة غيبية يقتضي الإيمان برسالتها للناس، ويقتضي الإيمان بالأرواح الطاهرة المطهرة، والإيمان بأن الله لم يخلق هذه الأشياء عبثاً، وإن ذلك يقتضي الإيمان بقدرة الله على الإعادة، كما بدأ الخلق بالتكوين، وبأن هنالك يوماً آخر فيه الحساب، وإن من يؤمن بالله ولا يؤمن بهذه العناصر كلها لا يكون مؤمناً بالله حق الإيمان، ولا مذعناً لأحكامه حق الإذعان؛ ولذا كان أهل الكتاب الذين أعلنوا إيمانهم بالله، وأنكروا رسالة الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع قيام البينات عليها غير مؤمنين وغير مذعنين للحق الذي ارتضاه الله”(50).

ويقول صاحب جامع لطائف التفسير: “ولما أخبر عنهم بهذا الوصف الشريف في نفسه أتبعه ما زاده شرفاً، وهو أنهم فعلوه في حال إيمانهم، فهو معتبر به لوجود شرطه الذي هو أساس كل خير، فقال: ﴿وَتُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران:110] أي: تفعلون ذلك والحال أنكم تؤمنون ﴿ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110] أي: الملك الأعلى الذي تاهت الأفكار في معرفة كنه ذاته، وارتدت نوافذ أبصار البصائر خاسئة عن حصر صفاته، أي: تصدقون أنبياءه ورسله بسببه في كل ما أخبروا به قولاً وفعلاً، ظاهراً وباطناً، وتفعلون جميع أوامره، وتنهون عن جميع مناهيه؛ وهذا يفهم أن من لم يؤمن كإيمانهم فليس من هذه الأمة أصلاً؛ لأن (الكون) المذكور لا يحصل إلا بجميع ما ذُكر، وكرر الاسم الأعظم زيادة في تعظيمهم، وقد صدق الله ومن أصدق من الله حديثاً”(51).

وهكذا يعلل الرازي أيضاً سبب اقتصاره على ذكر الإيمان بالله فقط فيقول: “أما لِمَ اكتفى بذكر الإيمان بالله ولم يذكر الإيمان بالنبوة مع أنه لا بد منه؟ فالجواب: الإيمان بالله يستلزم الإيمان بالنبوة؛ لأن الإيمان بالله لا يحصل إلا إذا حصل الإيمان بكونه صادقاً، والإيمان بكونه صادقاً لا يحصل إلا إذا كان الذي أظهر المعجز على وفق دعواه صادقاً؛ لأن المعجز قائم مقام التصديق بالقول، فلما شاهدنا ظهور المعجز على وفق دعوى محمد -صلى الله عليه وسلم- كان من ضرورة الإيمان بالله الإيمان بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، فكان الاقتصار على ذكر الإيمان بالله تنبيهاً على هذه الدقيقة”(52).

وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم﴾ [آل عمران:110]، يعني: كما أنكم اكتسبتم هذه الخيرية بسبب هذه الخصال، فأهل الكتاب لو آمنوا لحصلت لهم أيضاً صفة الخيرية، والله أعلم.

يقول الرازي: “فيه وجهان:

الأول: ولو آمن أهل الكتاب بهذا الدين الذي لأجله حصلت صفة الخيرية لأتباع محمد -عليه الصلاة والسلام- لحصلت هذه الخيرية أيضاً لهم، فالمقصود من هذا الكلام ترغيب أهل الكتاب في هذا الدين.

الثاني: أن أهل الكتاب إنما آثروا دينهم على دين الإسلام حباً للرياسة، واستتباع العلوم، ولو آمنوا لحصلت لهم هذه الرياسة في الدنيا مع الثواب العظيم في الآخرة، فكان ذلك خيراً لهم مما قنعوا به.

واعلم أنه تعالى أتبع هذا الكلام بجملتين على سبيل الابتداء من غير عاطف:

إحداهما: قوله: ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:110].

وثانيتهما: قوله سبحانه تعالى: ﴿لَن يَضُرُّوكُمْ إِلاَّ أَذًى وَإِن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلُّوكُمُ الأَدْبَارَ ثُمَّ لاَ يُنصَرُونَ﴾ [آل عمران:111].

قال صاحب الكشاف: هما كلامان واردان على طريق الاستطراد عند إجراء ذكر أهل الكتاب، كما يقول القائل: وعلى ذكر فلان فإن من شأنه كيت وكيت؛ ولذلك جاء ﴿آمَنَ﴾ غير عاطف”(53).

وفي قوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم﴾ [آل عمران:110] اسم (كان) ضمير يعود على المصدر المدلول عليه بفعله، والتقدير: لكان الإيمان خيراً لهم، كقولهم: “من كذب كان شراً له” أي: كان الكذب شراً له؛ كقوله تعالى: ﴿اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة:8].

وقول الشاعر (من الوافر):

إذَا نُهِيَ السفيه جَرَى إلَيْهِ *** وَخَالفَ والسفيه إلى خِلاَفِ

أي: جرى إليه السفه.

والمفضل عليه محذوف، أي: خيراً لهم من كُفْرهم، وبقائهم على جَهْلهم.

وقال ابن عطية: ولفظة (خير) صيغة تفضيل، ولا مشاركة بين كُفْرهم وإيمانهم في الخير، وإنما جاز ذلك لما في لفظة (خير) من الشياع وتشعب الوجوه، وكذلك هي لفظة (أفضل) و(أحب) وما جرى مجراها.

وقال أبو حيان: “وإبقاؤها على موضوعها الأصلي أوْلَى -إذا أمكن ذلك-، وقد أمكن ذلك؛ إذ الخيرية مطلقة، فتحصل بأدْنى مشاركة”(54).

وقوله تعالى: ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:110] قال الألوسي: “قوله تعالى: ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ﴾كعبد الله بن سلام وأخيه وثعلبة بن شعبة، ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ أي: الخارجون عن طاعة الله تعالى، وعبر عن الكفر بالفسق إيذاناً بأنهم خرجوا عما أوجبه كتابهم، وقيل: للإشارة إلى أنهم في الكفار بمنزلة الكفار في العصاة؛ لخروجهم إلى الحال الفاحشة التي هي منهم أشنع وأفظع”(55).

وقال ابن عاشور: ﴿مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:110] أي: منهم من آمن بالنبي محمد -صلى الله عليه وسلم- فصدق عليه لقب المؤمن، مثل: عبد الله بن سلام… ويحتمل أن يكون المعنى: من أهل الكتاب فريق متقّ في دينه، فهو قريب من الإيمان بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، وهؤلاء مثل من بقي متردداً في الإيمان من دون أن يتعرض لأذى المسلمين، مثل: النصارى من نجران ونصارى الحبشة، ومثل مخيريق اليهودي قبل أن يسلم، على الخلاف في إسلامه، فإنه أوصى بماله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فالمراد بإيمانهم صدق الإيمان بالله وبدينهم، وفريق منهم فاسق عن دينه، محرف له، مناوٍ لأهل الخير، كما قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:21] مثل الذين سَمُّوا الشاة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم خيْبر، والذين حاولوا أن يرموا عليه صخرة”(56).

وهنا سؤالان:

السؤال الأول: الألف واللام في قوله: ﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾ هل هي للاستغراق أو للمعهود السابق؟

والجواب: بل للمعهود السابق، والمراد: عبد الله بن سلام ورهطه من اليهود، والنجاشي ورهطه من النصارى.

السؤال الثاني: الوصف إنما يذكر للمبالغة، فأي مبالغة تحصل في وصف الكافر بأنه فاسق؟!

والجواب: الكافر قد يكون عدلاً في دينه، وقد يكون فاسقاً في دينه، فيكون مردوداً عند الطوائف كلهم؛ لأن المسلمين لا يقبلونه لكفره، والكفار لا يقبلونه لكونه فاسقاً فيما بينهم، فكأنه قيل: أهل الكتاب فريقان: منهم من آمن، والذين ما آمنوا فهم فاسقون في أديانهم، فليسوا ممن يجب الاقتداء بهم ألبتة عند أحد من العقلاء(57).

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- أن هذه الآية تدل على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو سبب خيرية هذه الأمة، وهو قوام الأمم، ولا صلاح لهم إلا إذا قاموا بحقه، فالأمم تصلح بالأمر بالمعروف، وتفسد بتركه؛ ولذلك اعتبره القرآن خاصة الأمة الإسلامية، وبه خيرها، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110]، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو عصام الأمة، وهو مكون الرأي العام الفاضل، ويقال: إن الأمة كلها تعصي إذا ظهر العصيان، ولم تستنكره.

والمجتمع الفاضل لا يقوم إلا على الأمر بالمعروف، أي: كل ما هو معروف لا تنكره العقول السليمة، والنهي عن كل أمر تنكره العقول السليمة، فإن المجتمع الفاضل ظلٌ لكل خلق سليم ينمو في ظله الوارف؛ ولذا كانت أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- أمة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

وهذا ظاهر؛ فما أرسلت الرسل، وأنزلت الكتب إلا للأمر بالمعروف الذي رأسه وأصله: التوحيد، والنهي عن المنكر الذي رأسه وأصله: الشرك والعمل لغير الله؛ وشرع الجهاد لذلك، وهو قدر زائد على مجرد الأمر والنهي، ولولا ذلك ما قام الإسلام، ولا ظهر دين الله، ولا علت كلمته، ولا يرى تركه والمداهنة فيه إلا من أضاع حظه ونصيبه من العلم والإيمان.

ومراتب الإنكار -كما بينتها السنة- ثلاث: باليد واللسان والقلب، وثالثها أضعفها إيماناً، فعدم إنكار المنكر بالقلب دليل على ذهاب الإيمان، قال ابن مسعود -رضي الله عنه-: “هلك من لم يعرف المعروف، وينكر المنكر بالقلب”(58)، يشير -رضي الله عنه- إلى أن معرفة المعروف والمنكر بالقلب فرض لا يسقط عن أحد، فمن لم يعرفه هلك، ومتى سكت الإنسان عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تطلباً لرضا الخلق، واستجلاباً لمودتهم فهو أخبث حالاً من مرتكب المنكر.

ولهذا يقول ابن القيم -رحمه الله-: “ليس الدين بمجرد ترك المحرمات، بل والقيام مع ذلك بالأمور المحبوبة لله -عز وجل-: كالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والجهاد في سبيله، والنصرة لله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- وكتابه ودينه، والنصح لعباده؛ وأقل الناس ديناً، وأمقتهم لله من ترك هذه الواجبات، وإن زهد في الدنيا جميعها، وقل أن ترى منهم من يحمر وجهه ويمعره لله، ويغضب لحرماته، ويبذل عرضه في نصرة دينه، وأصحاب الكبائر أحسن حالاً عند الله من هؤلاء، وقد ذكر أبو عمر.. وغيره: أن الله تعالى أمر ملكاً من الملائكة أن يخسف بقرية، فقال: يا رب إن فيهم فلاناً العابد الزاهد، قال: به فابدأ، وأسمعني صوته؛ إنه لم يتمعر وجهه فيّ يوم قط”(59).

أما صوره: “فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يأخذ صوراً شتى، فقد يُنصح المنصوح سراً، وقد ينصح علانية، وقد ينصح بالقول، وقد ينصح بالفعل، وقد يؤمر باليد، أو باللسان، أو بغير ذلك من الوسائل التي ذكرها أهل العلم، وفصلوا فيها، ولا يرتبط هذا بقضية الفتنة، بل إن الفتنة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ ولهذا قال الله -عز وجل-: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ﴾ [التوبة:49]، فالذي ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الذي وقع في الفتنة، ودعا إليها؛ لأن الفتنة هي أن تترك الأمة مميزاتها ومقوماتها لتتحول من أمة مسلمة إلى أمة تأتي إلى الشرق والغرب، فتأخذ ما سقط من فتات موائدهم، وحثالات أفكارهم، وتتلمذ على مناهجهم، وتتخلى عن سر تميزها وقوتها وبقائها، وهو إيمانها والتزامها بهذا المبدأ، الذي هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر… ومن ترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر سلط الله -عز وجل- عليه من الآفات والمصائب في المال، وفي الاقتصاد، وفي الاجتماع، وفي الأمور المختلفة، وفي عدم إجابة الدعاء، وفي التفرق والتشتت، وفي التناحر الداخلي، وفي كثرة الآلام والمصائب والنكبات، وفي تسليط الأعداء الخارجيين، ما لا قبل لهم به، والعاصم من هذا كله -بإذن الله تعالى- هو إحياء شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مهما كانت ثقيلة على النفوس”(60).

والقيام بهذا الواجب هو خاصة الأمة الإسلامية، ومصدر عزتها: “ولا يصح أن يتخلى عنه، وليس في مصادر الشريعة ولا في مواردها ما يُسوّغ التخلي، وأن ترك القول في أيام الفتن الطحياء التي يكون القول فيها مؤدياً إلى زيادة في الفتن والاتهام، فلا يجدي قول، ولا يهدي فكر إلى الرشاد، عندئذٍ يكون السكوت أولى من الكلام، حتى تهدأ عجاجة الفتنة، وتعود القلوب إلى جنوبها، ويوجد السميع، ولكن في هذه الحال يكون الإنكار القلبي، وإرشاد القابلين للإرشاد، في غير ضجيج ولا عجيج، والله سبحانه وتعالى راد الحق إلى نصابه، والقضب إلى أجفانها، وهو بكل شيء عليم”(61).

ما جاء من فضائل هذه الشعيرة العظيمة:

1- أن الله سبحانه تعالى امتدح من يقوم بها من الأمم على غيرهم، حيث قال الله سبحانه تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:113-114].

وذم الله من تركوا الأمر والنهي منهم، فقال: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63].

يقول سيد قطب -رحمه الله- تعليقاً على هذه الآية وواصفاً حال المجتمع الذي يتغافل عن هذه الشعيرة أو يهملها: “فالإثم والعدوان طابع المجتمع حين يفسد; والمسارعة فيهما عمل هذه المجتمعات، وكذلك كان مجتمع يهود في تلك الأيام، وكذلك أكلهم للحرام، فأكل الحرام كذلك سمة يهود في كل آن، لبئس ما كانوا يعملون، ويشير السياق إلى سمة أخرى من سمات المجتمعات الفاسدة; وهو يستنكر سكوت الربانيين القائمين على الشريعة، والأحبار القائمين على أمر العلم الديني سكوتهم على مسارعة القوم في الإثم والعدوان، وأكل السحت; وعدم نهيهم عن هذا الشر الذي يتسابقون فيه: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63]، فهذه السمة سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان هي سمة المجتمعات التي فسدت، وآذنت بالانهيار، وبنو إسرائيل كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، كما حكى عنهم القرآن الكريم.

إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يوجد فيه من يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر; وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر; وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ المنحرفون فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي، ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر، وهكذا وصف الله الأمة المسلمة، فقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110]، ووصف بني إسرائيل فقال: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:79]، فكان ذلك فيصلاً بين المجتمعين، وبين الجماعتين، أما هنا فينحي باللائمة على الربانيين والأحبار الساكتين على المسارعة في الإثم والعدوان وأكل السحت; الذين لا يقومون بحق ما استحفظوا عليه من كتاب الله، وإنه لصوت النذير لكل أهل دين، فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر; والأمر كما قلنا من قبل في الظلال يقتضي سلطة تأمر وتنهى، والأمر والنهي أمر غير الدعوة، فالدعوة بيان، والأمر والنهي سلطان، وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع; فلا يكون مطلق كلام”(62).

ولا بد أن يعلم أن الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر بين المسلمين إنما هم في الحقيقة يقومون بمهام الرسل في أقوامهم وذويهم، فبقدر الاستجابة لنصحهم تكون الحجة والنجاة، والعكس بالعكس، فإذا تواطأت الأمة على ترك المنكر استحقت العقوبة العامة، ولا تحصل النجاة إلا لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.

فإذا أراد المرء المسلم أن يتحقق بالخير، وأن يرى طريقاً يحقق به خير نفسه وخير قلبه، وخير أهله، وخير أولاده، وخيره مع الناس جميعاً، وأن يكون محلاً للخير عليه أن يسلك أفضل الطرق والقرب والطاعات التي يتقرب بها العبد لربه، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يقول ابن القيم: “فإن النافع هو المبارك، وأنفع الأشياء أبركها، والمبارك من الناس أينما كان هو الذي يُنتفع به حيث حل”(63).

والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة، وكلها تدل بمنطوقها ومفهومها أنه يتعين على كل مسلم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومساعدة من قام به، كل على حسب حاله، فتارك إنكار المنكر مع القدرة على إنكاره كمرتكبه؛ وهو من الفاسقين الداخلين في الوعيد، وبالتعاون على إنكار المنكر يقوم الدين، ويتم الخير، وتستقر النعم، وتبقى الآداب والأخلاق الفاضلة؛ وبتركه ومداهنة أهله ينتشر الفساد، ويظهر الفجور، فتعم العقوبة، والعياذ بالله من غضبه.

إذًا: فالواجب على المسلم أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر؛ وذلك لأنه من أسمى الوظائف الإسلامية، بل هو أشرفها وأعلاها، وهو وظيفة الأنبياء والرسل -عليهم السلام-، وهي الشعيرة التي يُنافَحُ بها عن الدين، ويُنصح للمسلمين عن التردي في هوة صيحات العابثين، وبه تُحْرَسُ الفضائل، وتكبت الرذائل، ويؤخذ على أيدي السفهاء، والتقاعس عنها أمره خطير، وشره مستطير، وقد يكون سبباً في تعميم العقاب، وعدم استجابة الدعاء.

ولا يجوز لهذه الأمة أن تتنصل عن واجبها، وكيف تتخلى عن رسالتها وعن تميزها الذي ميزها الله به؟! هل أخرج الله هذه الأمة لتكون في ذيل القافلة تلهث وراء الركب؟! وهل أخرجها لتصبح صورة مقلدة بل مشوهة من الجاهلية؟! ألم يخرجها لتكون قائدة ورائدة وشاهدة على كل البشرية؟!

“إنها أمة لا تتقوقع حول نفسها، ولا تنحصر في ذاتها، بل هي أمة ابتعاث وإخراج إلى الناس بنور القرآن والسنة، أمة تمشي بالنور في الناس وليس في المسلمين فقط، أمة أمرها الله تعالى بالسير في الأرض كلها اثنتي عشرة مرة، وبالضرب في الأرض أربع مرات، وبالمشي فيها أربعاً أخرى، أي: عشرين مرة سيراً وضرباً ومشياً”(64).

“ولا بد لنا أن نذكر بأن الأمة الإسلامية مسئولة مسئولية كبيرة عن هذا الفساد الحادث اليوم في الأرض، وإن هذه الأمة لم يخرجها الله ويجعلها خير أمة في التاريخ لتعيش في حدود نفسها فحسب، بل لتكون قائدة ورائدة لكل البشرية، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110]، وقد ظل الخير يعم البشرية كلها حين كانت هذه الأمة قائمة برسالتها، تنشر النور والهدى في آفاق الأرض، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتؤمن بالله، وتدعو إلى الإيمان، فلما تخلت هذه الأمة عن رسالتها في القرون الأخيرة، وأصابها الضعف والوهن تبعاً لذلك، فقد تولت قيادة البشرية أمة جاهلية لا تؤمن بالله ورسله، ولا تحكم شريعته في الحياة، ومن ثم أتيحت الفرصة لشياطين الجن والإنس أن يعيثوا فساداً في الأرض، وينشروا الكفر بدلاً من الإيمان، ولن تصلح الأرض مرة أخرى حتى يعود المسلمون عودة صادقة إلى دينهم الحق، وعندئذٍ يتحقق وعد الله لهم بالاستخلاف والتمكين والتأمين، كما تحقق مرة من قبل: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النــور:55]”(65).

______________________________________________

(1) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ج (6) (ص:79-7544).

(2) في ظلال القرآن (2/ 435).

(3) انظر: تفسير القرطبي ج (3) (ص:376).

(4) مفاتيح الغيب ج (8) (ص:157-158).

(5) التحرير والتنوير ج (3) (ص:187-189).

(6) تفسير روح البيان (2/ 63).

(7) الكشاف ج (1) (ص:311).

(8) اللباب في علوم الكتاب ج (4) (ص:271).

(9) انظر: زاد المسير (1/ 439) بتصرف.

(10) انظر: جامع لطائف التفسير (16/ 9) بتصرف.

(11) أخرجه البخاري في كتاب الشهادات، باب لا يشهد على شهادة جور إذا أشهد (2/ 938-2508).. وفي غيره من الأبواب، ومسلم في فضائل الصحابة، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم، رقم: (2535) بلفظ: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم».

(12) جامع لطائف التفسير (16/ 11).

(13) انظر: الدر المنثور للسيوطي (2/ 63).

(14) مفاتيح الغيب ج (8) (ص:156).

(15) التحرير والتنوير ج (3) (ص:187-189).

(16) التحرير والتنوير ج (1) (ص:804).

(17) انظر: زهرة التفاسير (1/ 1355).

(18) أخرجه أحمد (4/ 447)، والترمذي (5/ 226-3001)، وقال: حديث حسن، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في صحيح الجامع، حديث رقم: (2301).

(19) تفسير السعدي (1/ 409).

(20) انظر: زهرة التفاسير (1/ 1355) بتصرف يسير.

(21) مفاتيح الغيب ج (8) (ص:156-157).

(22) التحرير والتنوير ج (3) (ص:189).

(23) أخرجه البخاري في كتاب الأدب، باب ما ينهى من السباب واللعن (5/ 2248-5703)، ومسلم في الأيمان، باب إطعام المملوك مما يأكل وإلباسه مما يلبس، ولا يكلفه ما يغلبه (5/ 92-4403).

(24) تفسير ابن عادل ج (5) (ص:462-467).

(25) في ظلال القرآن (2/ 157).

(26) أخرجه أحمد (3/ 61-11604)، والترمذي (5/ 226)، رقم: (3001)، وابن ماجه (2/ 1433)، رقم: (4288)، والحاكم (4/ 94)، رقم: (6987)، والطبراني (19/ 427)، رقم: (1038)، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجه ج (2) (ص:426-3461).

(27) تفسير ابن عادل ج (5) (ص:462-467).

(28) تفسير ابن عادل ج (5) (ص:462-467).

(29) تفسير ابن عادل ج (5) (ص:462-467).

(30) روح المعاني (4/ 32).

(31) أخرجه البخاري من حديث أبي سعيد في كتاب المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد إلى اليمن قبل حجة الوداع ح (4351)، ومسلم في كتاب الزكاة، باب: ذكر الخوارج وصفاتهم ح (1064)، وقد جاء بمعناه عن جماعة من الصحابة.

(32) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن، باب: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] (6/ 37-4557).

(33) تفسير القرطبي ج (4) (ص:173).

(34) أخرجه مسلم في كتاب العلم، باب من سن سنة حسنة أو سيئة ج (8) (ص:61-6975).

(35) البحر المحيط ج (3) (ص:30-31).

(36) تفسير الرازي (مفاتيح الغيب) (8/ 157).

(37) اللباب في علوم الكتاب ج (4) (ص:273).

(38) مفاتيح الغيب ج (8) (ص:156)، وانظر: جامع لطائف التفسير (16/ 13).

(39) التحرير والتنوير ج (3) (ص:189-191).

(40) الفتاوى (28/ 125).

(41) انظر: فتاوى عبد الحليم محمود (1/ 246).

(42) انظر: زهرة التفاسير (1/ 1355).

(43) روح المعاني ج (4) (ص:28) بتصرف.

(44) روح المعاني ج (4) (ص:28) بتصرف.

(45) التحرير والتنوير ج (1) (ص:805).

(46) مناهل العرفان (1/ 224).

(47) محاسن التأويل (تفسير القاسمي) (1/ 10).

(48) وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (ص:4-5).

(49) مفاتيح الغيب ج (8) (ص:157-158).

(50) زهرة التفاسير لمحمد أبو زهرة (1/ 1355).

(51) جامع لطائف التفسير (16/ 5).

(52) مفاتيح الغيب ج (8) (ص:157-158).

(53) مفاتيح الغيب ج (8) (ص:158).

(54) انظر: اللباب في علوم الكتاب ج (4) (ص:276).

(55) روح المعاني ج (4) (ص:28).

(56) التحرير والتنوير ج (3) (ص:191-192).

(57) مفاتيح الغيب ج (8) (ص:158).

(58) شعب الإيمان (6/ 95-7588)، ومصنف ابن أبي شيبة (8/ 667-127).

(59) عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين (22/ 37).

(60) انظر: دروس للشيخ سلمان العودة (47/ 34) بتصرف.

(61) زهرة التفاسير (1/ 2380).

(62) في ظلال القرآن (2/ 392).

(63) زاد المعاد (4/ 141).

(64) انظر: الخلاصة في فقه الأقليات (1/ 34).

(65) ركائز الإيمان (1/ 155).

 

Leave a comment

Your email address will not be published.

*