الوقفة الثامنة: القيام بهذه الشعيرة سبب للنجاة من الهلاك

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة الثامنة مع آيات الحسبة في القرآن الكريم.

الآية الثامنة: قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف:165].

هذه الآية جاءت في سياق قصة أصحاب القرية التي كانت حاضرة البحر، والتي قال الله عنها: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ * وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:163-164].

ثم قال الله مخبراً عن مصيرهم: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴾ [الأعراف:165].

وخلاصة هذه القصة ما ذكره المفسرون سلفاً وخلفاً: أن الله أمر اليهود أن يكون عيدهم الجمعة من كل أسبوع على ما هو ثابت في شريعتنا، فأبوا إلا السبت، فأجيبوا إلى ما طلبوا، وأمروا أن يتفرغوا فيه للعبادة، وحرم الله عليهم صيد السمك فيه، ثم ابتلاهم الله سبحانه، فكانت الحيتان تأتيهم يوم سبتهم شرعاً، ظاهرة على وجه الماء، فإذا كان يوم الأحد اختفت، فلم يُر منهن شيء، حتى يكون يوم السبت الذي بعده وهكذا، كما قال الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:163], وقد مكثوا مدة لا يصيدونها في ذلك اليوم، كما أمرهم الله، ثم اشتهتها أنفسهم، فاحتالوا للاصطياد في السبت بصورة الاصطياد في غيره بشتى الحيل التي ظاهرها الامتثال، وباطنها التمرد والعصيان، حتى إذا فشا فيهم ذلك المنكر علانية نصحهم أحبارهم ورهبانهم، وأبلغوا في النصح فلم يقبلوا منهم، فانقسم هؤلاء الناصحون إلى فرقتين:

فرقة كفت عن النهي؛ لعلمها بحال القوم، ويأسها من هدايتهم، وفرقة استمرت على نهيهم وتذكيرهم حماسة في دين الله، وحرصاً على هداية المعتدين، حتى قالت لهم الطائفة التي نهت وكفت عن النهي: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف:164]؟ وهو سؤال استفسار، فأجابت الطائفة التي استمرت على التذكير بما حكاه الله عنها: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:164], ومع ذلك لم يجدهم التذكير نفعاً، واستمروا على الاعتداء.

﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:165], وهم الطائفتان: التي نصحت وكفت, والتي نصحت ولم تكف عن النصح: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:165], وذلك العذاب البئيس هو مسخهم قردة.

فانظر -رحمك الله- إلى حيل اليهود وخداعهم، فهذا دال على أن الأعمال بمقاصدها وحقائقها دون صورها وظواهرها، ودال على أن كل حيلة يترتب عليها العبث بفرع من فروع الشريعة، فضلاً عن أصل من أصولها محرمة أشد التحريم، وأن صاحبها معرض لأن يعاقب بمثل هذه العقوبة الشنيعة؛ ولهذا قال تعالى في قصتهم مهدداً كل من يأتي بعدهم، ويتبع آثارهم: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة:66] أي: جعلنا هذه المسخة الشنيعة التي مسخناهم إياها عقوبة لما تقدمها من ذنوبهم التي واقعوها؛ ولما يأتي بعدها من أمثال ذنوبهم أن يعمل بها عامل فَيُمْسَخ كما مسخوا، وموعظة للمتقين إلى يوم القيامة؛ ولهذا حذر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته من ارتكاب ما فعلته اليهود من استحلال محارم الله بالحيل.

والمتأمل في قصة أهل هذه القرية يجد أن أهلها انقسموا ثلاثة أقسام:

عصاة، وصالحون، ومصلحون، وتأمل الآيات كيف قام المصلحون بالدعوة، فأنكر عليهم الصالحون! وقالوا: لا فائدة من إنكاركم، ولا من إصلاحكم، فهؤلاء قوم فاسدون لا خير فيهم، فكانت النتيجة أن نجى الله المصلحين، وأهلك الفاسقين، وسكت عن الذين لم يقوموا بالإصلاح.

واختلف العلماء هل أهلكوا أم لا؟ على قولين:

فقيل: أهلكهم مع المعتدين، وقيل: نجاهم، ولكنه أغفل ذكرهم احتقاراً لهم، وكفاهم ذلك تقريعاً وتوبيخاً.

والظاهر: أنهم كانوا من الناجين؛ لأن الله خص الهلاك بالظالمين، وهو لم يذكر أنهم ظالمون، فدل على أن العقوبة خاصة بالمعتدين في السبت؛ ولأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية, إذا قام به البعض سقط عن الآخرين، فاكتفوا بإنكار أولئك؛ ولهذا أنكروا عليهم بقولهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾[الأعراف:164].

وعن عكرمة قال: قال ابن عباس: “نسمع الله يقول: ﴿أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:165], فلا أدري ما فعل بالفرقة الساكتة؟ قال عكرمة: قلت له: جعلني الله فداك ألا تراهم قد أنكروا وكرهوا ما هم عليه؟ وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف:164] وإن لم يقل الله: أنجيتهم لم يقل: أهلكتهم، فأعجبه قولي فرضي، وأمر لي ببردين فكسانيهما، وقال: نجت الفرقة الساكتة”(1).

إلا أن جماعة من العلماء يرون أن الواجب السكوت عنهم، كما سكت عنهم القرآن، ومنهم الشيخ ابن عثيمين حيث قال -رحمه الله-: “فاختلف العلماء: هل الطائفة الساكتة أُخذت بالعذاب أم أنها نجت؟ والذي ينبغي أن نسكت كما سكت الله، ويسعنا ما في كتاب الله -عز وجل-“(2).

فعلى هذا أو ذاك، فالله هو الذي يعلم بسرائر الساكتين عن مناصرة الحق، ومقاومة الباطل، هل هي سلبية وخور وقهر مع رفض باطني للعوج السائد, أم هي قلة اكتراث، وسوء تقدير للعواقب؟ ليكن هذا أو ذاك، فإن ترك الضلال ينفرد بزمام الحياة ينتهي حتماً بضربة من العذاب لا تبقى ولا تذر: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ [هود:117].

ولنتدبر الجملة الأخيرة في الآية وهي قوله: ﴿وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ﴾ ولم يقل: وأهلها صالحون؛ لأن الصلاح الشخصي المنزوي بعيداً، والذي لا يكترث لضعف الإيمان، ولا يبالى بهزيمة الخير، صلاح لا قيمة له، ولا خير فيه! فكن صالحاً مصلحاً، وراشداً مرشداً، أما أن تجلس بعيداً تنتظر النتائج، وتستسلم للواقع فلا!(3).

ولهذا يقول سيد قطب -رحمه الله- وهو يصور حال هذه القرية: “لقد وقع ذلك لأهل القرية التي كانت حاضرة البحر من بني إسرائيل، فإذا جماعة منهم تهيج مطامعهم أمام هذا الإغراء، فتتهاوى عزائمهم، وينسون عهدهم مع ربهم وميثاقهم، فيحتالون الحيل على طريقة اليهود للصيد في يوم السبت! وما أكثر الحيل عندما يلتوي القلب، وتقل التقوى، ويصبح التعامل مع مجرد النصوص، ويراد التفلت من ظاهر النصوص، إن القانون لا تحرسه نصوصه، ولا يحميه حراسه، إنما تحرسه القلوب التقية التي تستقر تقوى الله فيها وخشيته، فتحرس هي القانون وتحميه، وما من قانون تمكن حمايته أن يحتال الناس عليه! ما من قانون تحرسه القوة المادية والحراسة الظاهرية! ولن تستطيع الدولة كائناً ما كان الإرهاب فيها أن تضع على رأس كل فرد حارساً يلاحقه لتنفيذ القانون وصيانته؛ ما لم تكن خشية الله في قلوب الناس، ومراقبتهم له في السر والعلن؛ من أجل ذلك تفشل الأنظمة والأوضاع التي لا تقوم على حراسة القلوب التقية، وتفشل النظريات والمذاهب التي يضعها البشر للبشر، ولا سلطان فيها من الله، ومن أجل ذلك تعجز الأجهزة البشرية التي تقيمها الدول لحراسة القوانين وتنفيذها، وتعجز الملاحقة والمراقبة التي تتابع الأمور من سطوحها!

وهكذا راح فريق من سكان القرية التي كانت حاضرة البحر يحتالون على السبت، الذي حرم عليهم الصيد فيه، وروي أنهم كانوا يقيمون الحواجيز على السمك، ويحوّطون عليه في يوم السبت؛ حتى إذا جاء الأحد سارعوا إليه فجمعوه؛ وقالوا: إنهم لم يصطادوه في السبت، فقد كان في الماء وراء الحواجيز غير مصيد!

وراح فريق منهم آخر يرى ما يفعلون من الاحتيال على الله! فيحذر الفريق العاصي مغبة احتياله! وينكر عليه ما يزاوله من الاحتيال! بينما مضى فريق ثالث يقول للآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر: ما فائدة ما تزاولونه مع هؤلاء العصاة، وهم لا يرجعون عما هم آخذون فيه؟ وقد كتب الله عليهم الهلاك والعذاب؟ ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف:164]”(4).

ولنعد لبيان وتفسير ألفاظ هذه القصة:

قوله: ﴿واَسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ [الأعراف”163] ﴿واَسْأَلْهُمْ﴾ يعني: أسباط اليهود، وهذا سؤال تقرير وتوبيخ! يقررهم على قديم كفرهم، ومخالفة أسلافهم الأنبياء، ويخبرهم بما لا يعلم إلا بوحي.

﴿عَنِ الْقَرْيَةِ﴾ أي: عن أهلها الذين خالفوا أمر الله تعالى، ففاجأتهم نقمته.

وفي القرية خمسة أقوال:

أحدها: أنها أيلة، رواه مرة عن ابن مسعود, وأبو صالح عن ابن عباس، وبه قال الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والسدي.

والثاني: أنها مدين، رواه عكرمة عن ابن عباس.

والثالث: أنها ساحل مدين، روي عن قتادة.

والرابع: أنها طبرية، قاله الزهري.

والخامس: أنها قرية يقال لها: مقنا، بين مدين وعينونا، قاله ابن زيد(5).

وقوله: ﴿الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ [الأعراف:163] أي: مجاورة البحر، وبقربه وعلى شاطئه(6), وهي أيلة على ساحل البحر الأحمر، على طريق الحاج الذاهب من مصر إلى مكة.

يقال: حضره إذا قاربه وداناه، فمعنى ﴿حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ مشرفة عليه، دانية منه على سيفه(7).

وقوله: ﴿إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف:163] قال الزجاج: أي: يظلمون، يقال: عدا فلان يعدو عدواناً وعداء وعدواً وعدواً إذا ظلم، وموضع ﴿إِذْ﴾ النصب، والمعنى: سلهم عن وقت عدوهم في السبت(8).

وأصل السبت: الراحة والسكون، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا﴾ [النبأ:9] أي: راحة وسكوناً لكم، وكان يوم السبت يوم راحة لليهود، وتوقف عن الأعمال، فاعْتَدَوْا فيه كما ذكر الله سبحانه وتعالى في سورة الأعراف، فحلت عليهم اللعنة؛ لاعتدائهم في السبت بعد أن نهاهم الله تعالى عن الاعتداء فيه بقوله: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا * فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [النساء:154-155].

فيكون معنى ﴿يَعْدُونَ﴾ [الأعراف:163] أي: يعتدون ويخالفون أمر الله تعالى باصطيادهم يوم السبت، وقد حرم عليهم ذلك.

فإن قال قائل: لماذا نهاهم الله سبحانه وتعالى عن الاعتداء في السبت؟

فالإجابة: أن الله -عز وجل- يكلف بما يشاء من التكاليف اختباراً للعباد، وأحياناً يختبرهم ويبتليهم لفسقهم، كما قال سبحانه: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:163], فرب العزة سبحانه وتعالى يبتليهم لفسقهم، ويكلفهم بتكاليف ابتلاء لهم، قال الله لهم: ﴿لاَ تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ﴾ [النساء:154] أي: لا تعتدوا ولا تقربوا الأعمال يوم السبت، فأقروا بذلك، فأراد الله أن يبتليهم بفسقهم، فأرسل إليهم الحيتان يوم السبت شرعاً، أي: ظاهرة على وجه الماء، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:163] فاعتدت طائفة منهم.

وقوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً﴾ [الأعرافك163] ﴿إِذْ﴾ في موضع نصب بـ ﴿يَعْدُونَ﴾، والمعنى: سلهم إذ عدوا(9).

و﴿سَبْتِهِمْ﴾ فيه إضافة اسم اليوم إليهم؛ لأنه اليوم الذي فرض عليهم ألا يقوموا بالصيد فيه.

وقوله: ﴿شُرَّعاً﴾ أي: ظاهرة على الماء من كل مكان، أي: شارعة معلنة اختباراً لهم.

فشرعاً: جمع شارع، من شرع بمعنى دنا، يقال: شرع علينا فلان إذا دنا منا، وأشرف علينا، وشرعت على فلان في بيته فرأيته يفعل كذا، وهو حال من: ﴿حِيتَانُهُمْ﴾ أي: تأتيهم يوم سبتهم ظاهرة على وجه الماء، قريبة من الساحل، ﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:163], أصلاً إلى السبت المقبل.

وقال الضحاك: ﴿شُرَّعاً﴾: “متتابعة وفي القصة: أنها كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش السمان البيض”(10).

وقد اختبرهم الله تعالى ليكشف حالهم ويهذبهم بأمرين:

أولًا: بتحريم الصيد يوم السبت ليفطموا شهواتهم، ويقرعوا نفوسهم الشرهة، والمسلطة عليهم.

وثانياً: بأن تأتيهم حيتان السمك شرعاً، لتثور شهوتهم ويقمعوها إن كانت فيهم إرادة، فإن لم تكن ربوها وهذبوها وقدعوها عن شهواتها استجابة لأمر ربهم، فالنفس الشرهة التي تسيطر عليها الشهوة لا بد من فطمها.

وأمر ثالث وهو: أن الله تعالى ذكر أنهم كانوا يعدون في السبت، فمنهم من كان يتناول المحرم في السبت غير متأثم ولا متحرج، ومنهم من يحتال، حيث قيل: إنه كان يحفر حفرة بجوار البحر، ويعمقها، فإذا جاءت حيتان السمك شرعاً يوم السبت نزلت في هذه الحفر، فإذا جفت بعد قطع الماء عنها لا تستطيع الخروج، فيأخذونها بأيديهم، وتلك حيلة تفوت معنى تقوية النفوس وتربيتها، وهم بذلك يعدون يوم السبت؛ لأنهم يخرجون بذلك عن الابتلاء الذي يكشف الله به نفوسهم(11).

وقوله: ﴿وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف:163] أي: لا يدخلون في السبت الذي يمنعون فيه من الصيد، والمعنى: أن السمك تأتي يوم السبت، ويوم لا يسبِتون لا تأتيهم.

وقرأ الحسن: “لا يُسبتون” بضم الياء، أي: لا يدخلون في السبت، والقراءة المعروفة بنصب الياء، ومعناه: لا يعظمون السبت(12).

قوله: ﴿كَذَلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:163] أي: كهذا الذي صنعناه معهم من تحريم السبت، ومجيء الحيتان فيه, نعاملهم معاملة المبتلى المختبر؛ لتهذب نفوسهم، وتربى إرادتهم؛ وذلك بسبب استمرارهم على الفسوق، وانحراف النفوس، وخضوعها لشهواتها؛ ولأجل تعويدهم ضبط النفس، والصبر على الحرمان، فإن الصبر نصف الإيمان، فالله تعالى وصاهم ودعاهم إلى الهدى، وشرع لهم ما يصقل نفوسهم ويهدي قلوبهم، ولكن كتبت عليهم الشقوة فلم يهتدوا(13).

وقوله: ﴿وَإِذَ قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ﴾ [الأعراف:164] (إذ) ظرف زمان ماضٍ، والمعنى: اذكر يا محمد ذلك الوقت الذي هم فيه بلغ اليأس من اهتدى منهم, حتى قالت منهم جماعة مهدية يائسة من إيمانهم، منكرة وعظ من يعظهم: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف:164]

والأمة: هي الجماعة المؤتلفة التي تجمعها فكرة واحدة، وشعور متحد، بحيث يوائم كل واحد فيها من معه.

وقوله: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف:164] الوعظ: بيان الحق مقارناً بمغبة الباطل، ذاكراً ما ترتب على الباطل من أذى لأهله، وهلاك لمن استمسكوا بالباطل، وتركوا الحق، وانحرفوا عنه، والعاقل من اتعظ، والجاهل من يأبى ولا يتعظ.

﴿قَوْمًا﴾ قد تضافروا على الشر، وتقرر هلاكهم وهم على ضلالهم(14).

﴿اللّهُ مُهْلِكُهُمْ﴾ [الأعراف:164] أي: مستأصلهم، ومطهر الأرض منهم.

﴿أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف:164] يعني: دون الاستئصال بالمرة؛ إذ مجرد الإهلاك قد يوجد معه لطف، وأما شدة العذاب فتلك القاصمة، وقيل: مهلكهم في الدنيا، أو معذبهم في الآخرة؛ لعدم إقلاعهم عما هم عليه من الفسق، والترديد لمنع الخلو على هذا، وإيثار صيغة اسم الفاعل في الشقين, للدلالة على تحقيق كل من الإهلاك والتعذيب وتقررهما ألبتة، كأنهما واقعان.

وإنما قالوا ذلك مبالغة في أن الوعظ لا ينجع فيهم؛ إذ المقصود لاتعظوا أو أتعظون؟، فعدل عنه إلى السؤال عن السبب لاستغرابه؛ لأن الأمر العجيب لا يدرى سببه، أو سؤالاً عن حكمة الوعظ ونفعه.

وقيل: إن هذا تقاوُل وقع بين الصلحاء الواعظين؛ كأنه قال بعضهم لبعض: لم نشتغل بما لا يفيد، ويحتمل على كلا القولين أن ذلك صدر من القائل بمحضر من القوم، فيكون متضمناً لحثهم على الاتعاظ، فإن بت القول بهلاكهم أو عذابهم مما يلقى في قلوبهم الخوف والخشية، وقيل: قائلو ذلك المعتدون في السبت، قالوا: تهكمًا بالناصحين المخوفين لهم بالهلاك والعذاب، وفيه بعد(15).

قوله: ﴿قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف:164] أي: يجب علينا أن نعظ لنعتذر إلى ربنا، بأننا قمنا بحق بيان الهدى والنور؛ وليكون استحقاقهم الهلاك على الضلال بعد بينة أقيمت، وحق أعلن، ونقدم هذه المعذرة إلى ربنا عن ضلالهم، وهذا كله على أساس أن المستفهمين مهديون، وهو الأنسب لمعنى الآية، وفرض بعضهم أن المستفهمين هم الذين وقعوا في الضلالة، وكأنهم يقولون: إنكم تحسبون أننا هالكون ومعذبون، ونحن مصرون، فاتركونا بضلالنا، حتى نلقى جزاءنا بزعمكم، ويكون الاستفهام لإنكار الواقع، وتوبيخ الواعظين على وعظهم، وذلك تحتمله الآية الكريمة، ولكنا نميل إلى الأول(16).

وقوله: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:164] عطف على ﴿مَعْذِرَةً﴾ [الأعراف:164]، أي: ورجاء لأن يتقوا بعض التقاة، ويتركوا المعصية؛ لأن قبول الحق الواضح يرجى من العاقل، واليأس لا يحصل إلا بالهلاك، وهذا صريح في أن القائلين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف:164]… إلخ، ليسوا من الفرقة الهالكة، وإلا لوجب الخطاب أي: ولعلكم(17).

وقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ﴾ [الأعراف:165] أي: فلما تركوا ما ذكرهم به صلحاؤهم ترك الناسي للشيء، وأعرضوا عنه إعراضاً كلياً، بحيث لم يخطر ببالهم شيء من تلك المواعظ أصلاً عبّر عنه بالنسيان، وإلا فأنهم تركوه عن قصد، وهذا يدل على أن النسيان لفظ يطلق على الساهي والعامد، رداً على أهل جهالة زعموا أن الناسي والساهي لمعنى واحد، وهؤلاء قوم لا معرفة لهم باللغة، وقصدهم هدم الشريعة، وقد بينا ذلك في غير موضع(18) كذا قال ابن العربي.

وقوله هنا: ﴿أَنجَيْنَا﴾ [الأعراف:165], وفي بعض الآيات: (نجينا) بدون همزة، والفرق بينهما:

1- أنه إذا استعمل لفظ (نجينا) فاعلم أنها تنجية من عذاب وقهر واقعَين، وإن بني إسرائيل كانوا في عذاب واقع من تذبيح وتجويع وقهر تحت حكم فرعون، وكذلك في نوح وقومه، فإنه لبث فيهم ألف سنة إلا خمسين في المشقة مع قومه، استعملت في حقه ومن آمن معه (نجينا), وكذلكم الأمر في هود.

2- أما إذا استعمل لفظ: ﴿أَنجَيْنَا﴾ فاعلم أنه إنجاء قبل وقوع أي مكروه أو عذاب، فاستعمل الله سبحانه ﴿أَنجَيْنَا﴾ في الحديث عن إنجائه لموسى وبني إسرائيل قبل أن يدركهم فرعون في البحر، وأنجى نوحاً من الطوفان بوسيلة الفُلك، وأنجى لوطاً وهوداً قبل أن يحل بأقوامهم العذاب والانتقام، كذا قيل، والله أعلم.

فالإنجاء: قبل وقوع العذاب أو المكروه، والتنجية: من العذاب والمكروه الواقع، فإننا ننْجي الرجل من الضرب قبل وقعه من أعدائه، وإننا ننَجّي الرجل من الضرب وهو واقع به، فنخلصه من أعدائه أثناء اعتدائهم عليه.

وقوله: ﴿الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:165], هكذا سنة الله في عباده أن العقوبة إذا نزلت نجا منها الآمرون بالمعروف، والناهون عن المنكر.

أما الساكت عن الإنكار فقد قال شيخ الإسلام: “فأنجى الله الناهين، وأما أولئك الكارهون للذنب الذين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا﴾ [الأعراف:164] فالأكثرون على أنهم نجوا؛ لأنهم كانوا كارهين، فأنكروا بحسب قدرتهم، وأما من ترك الإنكار مطلقًا فهو ظالم يعذب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه، أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه»(19), وهذا الحديث موافق للآية”(20).

وقوله: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف:165] أي: شديد وزناً ومعنى، والمقصود أصحاب السبت، وهي عامة في كل من فعل مثل فعلهم، فأخذهم الله -عز وجل- فمسخهم قردة، وبعض العلماء يقول: مسخ كبارهم خنازير، وشبابهم قردة, نسأل الله العافية والسلامة.

و ﴿بَئِيسٍ﴾ مشتق من البأس، وهو الشدة والقوة، فالعذاب البئيس هو العذاب الشديد العنيف في ذاته, الذي يلقى بالبؤس في ذاته، وفُسر بما لا رحمة فيه، ويرجع إلى ما ذكر، وهو فعيل، إما وصف أو مصدر، كالنكير وصف به مبالغة، والأكثرون على كونه وصفاً من بؤس يبؤس بأساً إذا اشتد.

وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:165] أي: بفعل المنكر، أي: بسبب استمرارهم على الفسق الذي كان يتجدد ويستمر، والفسق الخروج عن الحق، وقد وصفهم الله تعالى بوصفين وهما:

الفسق, والظلم.

والفسق: هو الانحراف والخروج من نور الحق.

والظلم: ما ترتب على ذلك من إيذاء أنفسهم وإيذاء غيرهم.

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- أن الله -سبحانه وتعالى- جعل القيام بهذه الشعيرة سبباً للنجاة، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:165], فهذه الآية قد ذكرت ثلاثة أقسام:

قسم فعل المنكر، وقسم أنكر، والفئة الثالثة: الذين سكتوا، قال ابن عباس: “سُكت عنهم”, لكن الظاهر أنهم يشتركون مع صاحب المنكر، اللهم إلا من أنكر بقلبه مع العجز على تغييره، وإلا فهم مع مرتكب المنكر؛ لأن انعدام النصح سمة من سمات اليهود، ومعرة من معراتهم الخالدة، فقد كانت مواقفهم في الصيد يوم السبت عن طريق الحيلة مشهورة، حتى أعلن الفسقة منهم بصيده؛ فنهضت فرقة منهم، ونهت عن ذلك، وجاهرت بالنهي واعتزلت، وفرقة أخرى لم تعص ولم تنه، بل قالوا للناهين: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُواْ مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف:164].

فلما لم يستجب العاصون أخذهم الله بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون، فنص الله على نجاة الناجين بقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ﴾ [الأعراف:165], وسكت عن الساكتين، فقال ابن عباس: “سُكت عنهم”.

2- في هذه الآية دلالة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أعظم أسباب دفع العقوبات عن الأمة، كيف لا يكون كذلك وهو سبب رفعتها وخيريتها، فإذا ادلهمت الخطوب، وخيف من نزول العقوبات الربانية، فإن من أعظم أسباب رفع العقوبات والنجاة وقتها هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما قال -جل وعلا-: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف:165].

وقد جعل الله النجاة في الدنيا والآخرة لمن نهى عن الفساد في الأرض، قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِن قَبْلِكُمْ أُوْلُواْ بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الأَرْضِ إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ﴾ [هود:116].

ولا يزال المسلم اليوم -ولله الحمد- يجد له على الخير أعواناً، فليسع كل واحد منا إلى إصلاح نفسه وأهله؛ وليذكر الآخرين بدينهم بقدر وسعه، وسيجعل الله من ذلك خيراً بإذنه تعالى.

_________________________________

(1) مختصر تفسير البغوي المسمى بمعالم التنزيل ج (3) (ص:211).

(2) شرح رياض الصالحين (2/ 418).

(3) انظر: المحاور الخمسة للقرآن الكريم (1/ 62) بتصرف.

(4) في ظلال القرآن (3/ 308).

(5) زاد المسير (3/ 276).

(6) زاد المسير (3/ 276).

(7) زهرة التفاسير (1/ 2986).

(8) زاد المسير (3/ 276).

(9) زاد المسير (3/ 276).

(10) تفسير البغوي ج (3) (ص:293).

(11) انظر: زهرة التفاسير (ص:771) بتصرف.

(12) تفسير البغوي إحياء التراث (2/ 242).

(13) زهرة التفاسير (1/ 2987).

(14) زهرة التفاسير (1/ 2987).

(15) روح المعاني (9/ 91).

(16) زهرة التفاسير (1/ 2987).

(17) تفسير روح البيان (3/ 202).

(18) أحكام القرآن لابن العربي (3/ 492).

(19) أخرجه أبو داود (4338), والبزار (65)، وأبو يعلى (132)، وابن حبان (304), وابن أبي شيبة (15/ 174-175)، وابن ماجه (4005), وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه برقمك (4005).

(20) مجموع فتاوى ابن تيمية (التفسير) (5/ 379)

 

Leave a comment

Your email address will not be published.

*