الوقفة الثانية: أمر الأمة بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة الثانية مع آيات الحسبة في القرآن الكريم.

الآية الثانية: قال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:104].

أمر الله سبحانه وتعالى في هذه الآية عباده المؤمنين بتكميل الغير إثر أمرهم بتكميل النفس؛ ليكونوا هادين مهديين، على ضد أعدائهم، فإن ما قص الله تعالى من حالهم فيما سبق يدل على أنهم ضالون مضلون.

وصيغة: ﴿وَلْتَكُنْ منكم﴾ صيغة وجوب؛ لأنها أصرح في الأمر من صيغة: (افعلوا)؛ لأنها أصلها، فيكون الأمر لتشريع الوجوب ابتداءً، إذا كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير معلوم بينهم قبل نزول هذه الآية، أما إذا كان ذلك حاصلاً بينهم من قبل، كما يدل عليه قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:110].

وقوله تعالى: ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر:3]، فالأمر هنا لتأكيد ما كانوا يفعلونه ووجوبه؛ وللدلالة أيضاً على الدوام والثبات عليه، فيكون مثل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللّهِ﴾ [النساء:136].

وقرأ ابن الزبير: “وَلْتَكُنَ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ ويَستَعينونَ اللَّهَ على ما أصابهم”.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَنْبَارِيُّ: “وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَفْسِيرٌ مِنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَكَلَامٌ مِنْ كَلَامِهِ، غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ النَّاقِلِينَ فَأَلْحَقَهُ بِأَلْفَاظِ الْقُرْآنِ، يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا أَصِفُ الْحَدِيثُ الَّذِي حَدَّثَنِيهِ أَبِي حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ عَرَفَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ أَبِي عَوْنٍ عَنْ صُبَيْحٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ يَقْرَأُ: وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيَسْتَعِينُونَ اللَّهَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ. فَمَا يَشُكُّ عَاقِلٌ فِي أَنَّ عُثْمَانَ لَا يَعْتَقِدُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مِنَ الْقُرْآنِ؛ إِذْ لَمْ يَكْتُبْهَا فِي مُصْحَفِهِ الَّذِي هُوَ إِمَامُ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهَا وَاعِظًا بِهَا وَمُؤَكِّدًا مَا تَقَدَّمَهَا مِنْ كلام رب العالمين جل وعلا”(1).

والجمهور على إسكان لام الأمر في: ﴿وَلْتَكُن﴾ وقرئ بكسرها “وَلِتَكُنْ” على الأصل، قال ابن عطية -رحمه الله-: “قرأ الحسن والزهري وأبو عبد الرحمن وعيسى بن عمر وأبو حيوة: (ولِتكن) بكسر اللام على الأصل؛ إذ أصلها الكسر، وكذلك قرؤوا لام الأمر في جميع القرآن”(2).

و(تكن) إما من (كان) التامة، فتكون ﴿أُمَّةٌ﴾ فاعلاً، وجملة: ﴿يَدْعُونَ﴾ صفته و﴿منكُمْ﴾ متعلق بـ(تكن) أو بمحذوف على أن يكون صفة لــــ﴿أُمَّةٌ﴾، قُدم عليها فصار حالاً.

وإما من (كان) الناقصة، فتكون ﴿أُمَّةٌ﴾ اسمها ﴿وَيَدْعَوْنَ﴾ خبرها و﴿منكُمْ﴾ إما حال من ﴿أُمَّةٌ]، أو متعلق بـ(كان) الناقصة.

والمخاطب بضمير ﴿مِنْكُمْ﴾ إن كان هم أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كما هو في بعض الخطابات جاز أن تكون (من) بيانية، وقُدم البيان على المبين، ويكون مرجع الأمة نفس الصحابة، وهم أهل العصر الأول من المسلمين، فيكون المعنى: (ولتكونوا أمة يدعون إلى الخير)، فهذه الأمة أصحاب هذا الوصف قد أمروا بأن يكونوا من مجموعهم الأمة الموصوفة بأنهم يدعون إلى الخير، والمقصود تكوين هذا الوصف؛ لأن الواجب عليهم هو التخلق بهذا الخلق، فإذا تخلقوا به تكونت الأمة المطلوبة، وهي أفضل الأمم، وهي أهل المدينة الفاضلة المنشودة للحكماء من قبل، فجاءت الآية بهذا الأمر على هذا الأسلوب البليغ الموجز.

وهذا هو الأظهر، فيكون جميع أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد خوطبوا بأن يكونوا دعاة إلى الخير، ولا جرم فهم الذين تلقوا الشريعة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مباشرة، فهم أولى الناس بتبليغها، وأعلم بمشاهدها وأحوالها، ويشهد لهذا قوله -صلى الله عليه وسلم- في مواطن كثيرة: «ليبلغ الشاهد الغائب»(3)، وإلى هذا المحمل مال الزجاج.. وغير واحد من المفسرين، كما قاله ابن عطية(4).

ويجوز أيضاً على اعتبار الضمير خطاباً لأصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- أن تكون (من) للتبعيض، والمراد من الأمة الجماعة والفريق، أي: وليكن بعضكم فريقاً يدعون إلى الخير، فيكون الوجوب على جماعة من الصحابة، فقد قال ابن عطية: “قال الضحاك والطبري: أمر المؤمنين أن تكون منهم جماعة بهذه الصفة، فهم خاصة أصحاب الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهم خاصة الرواة”(5).

وأخرج ابن المنذر عن الضحاك: “أنه متوجه إلى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خاصة، وهم الرواة، والأكثرون على جعله عاماً، ويدخل فيه من ذُكر دخولاً أولياً”(6).

وعلى هذا القول -أن المخاطب هم الصحابة- يكون في هذا التعبير محسن وهو (التجريد)، حيث جُردت من المخاطبين أمة أخرى للمبالغة في هذا الحكم، كما يقال: لفلان من بنيه أنصار.

وعلى القول بأن المخاطبين في قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ هم الصحابة، فيدخل في الخطاب من جاء بعدهم، يقول صاحب التحرير والتنوير: “وأقول: على هذا يثبت حكم الوجوب على كل جيل بعدهم بطريق القياس؛ لئلا يتعطل الهدى”(7).

وكما اختلف العلماء في المخاطب في قوله: ﴿وَلْتَكُنْ منكم﴾ اختلفوا أيضاً في (من) في قوله (مِنكم) هل هي للتبعيض أم للبيان؟

فالقائلون بأن المكلف البعض قالوا: إن (من) للتبعيض، والقائلون بأن المكلف الكل قالوا: إنها للتبيين.

قال ابن عطية: “قال القاضي: فعلى هذا القول (من) للتبعيض، وأمر الله الأمة بأن يكون منها علماء يفعلون هذه الأفاعيل على وجوهها، ويحفظون قوانينها على الكمال، ويكون سائر الأمة متبعين لأولئك؛ إذ هذه الأفعال لا تكون إلا بعلم واسع، وقد علم تعالى أن الكل لا يكون عالماً.

وذهب الزجاج.. وغير واحد من المفسرين إلى أن المعنى: ولتكونوا كلكم أمة يدعون (ومن) لبيان الجنس، قال: ومثله من كتاب الله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج:30]، ومثله من الشعر قول القائل “من البسيط”:

أَخُو رَغَائِبَ يُعْطِيها وَيسْأَلُها *** يأبى الظُّلامةَ مِنْهُ النُّوفَل الزّفرُ

قال القاضي: وهذه الآية على هذا التأويل إنما هي عندي بمنزلة قولك: ليكن منك رجل صالح، ففيها المعنى الذي يسميه النحويون: التجريد، وانظر أن المعنى الذي هو ابتداء الغاية يدخلها، وكذلك يدخل قوله تعالى: ﴿مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ذاتها، ولا تجده يدخل قول الشاعر: “منه النوفل الزفر”، ولا تجده يدخل في (من) التي هي صريح بيان الجنس؛ كقولك: ثوب من خز، وخاتم من فضة، بل هذه يعارضها معنى التبعيض، ومعنى الآية على هذا التأويل: أمر الأمة بأن يكونوا يدعون جميع العالم إلى الخير، الكفار إلى الإسلام، والعصاة إلى الطاعة، ويكون كل واحد من هذه الأمور على منزلته من العلم والقدرة.

قال أهل العلم: وفرض الله بهذه الآية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهو من فروض الكفاية إذا قام به قائم سقط عن الغير(8).

وقال الفخر: “في قوله: ﴿مّنكُمْ﴾ قولان:

أحدهما: أن (مِنْ) هاهنا ليست للتبعيض لدليلين:

الأول: أن الله تعالى أوجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على كل الأمة، في قوله: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:110].

والثاني: هو أنه لا مكلف إلا ويجب عليه الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إما بيده أو بلسانه أو بقلبه، ويجب على كل أحد دفع الضرر عن النفس، إذا ثبت هذا فنقول: معنى هذه الآية: كونوا أمة دعاة إلى الخير، آمرين بالمعروف، ناهين عن المنكر، وأما كلمة (مِنْ) فهي هنا للتبيين لا للتبعيض، كقوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج:30]، ويقال أيضاً: لفلان من أولاده جند، وللأمير من غلمانه عسكر، يريد بذلك جميع أولاده وغلمانه، لا بعضهم، كذا هاهنا، ثم قالوا: إن ذلك وإن كان واجباً على الكل إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين، ونظيره قوله تعالى: ﴿انْفِرُواْ خِفَافًا وَثِقَالاً﴾ [التوبة:41]، وقوله: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [التوبة:39]، فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية وزال التكليف عن الباقين.

والقول الثاني: أن (مِنْ) هاهنا للتبعيض، والقائلون بهذا القول اختلفوا أيضاً على قولين:

أحدهما: أن فائدة كلمة (مِنْ) هي أن في القوم من لا يقدر على الدعوة، ولا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل: النساء والمرضى والعاجزين.

والثاني: أن هذا التكليف مختص بالعلماء، ويدل عليه وجهان:

الأول: أن هذه الآية مشتملة على الأمر بثلاثة أشياء:

الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

ومعلوم أن الدعوة إلى الخير مشروطة بالعلم بالخير وبالمعروف وبالمنكر، فإن الجاهل ربما دعا إلى الباطل، وأمر بالمنكر، ونهى عن المعروف، وربما عرف الحكم في مذهبه وجهله في مذهب صاحبه، فنهاه عن غير منكر، وقد يغلظ في موضع اللين، ويلين في موضع الغلظة، وينكر على من لا يزيده إنكاره إلا تمادياً، فثبت أن هذا التكليف متوجه على العلماء، ولا شك أنهم بعض الأمة، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة:122].

والثاني: أنا جمعنا على أن ذلك واجب على سبيل الكفاية، بمعنى: أنه متى قام به البعض سقط عن الباقين، وإذا كان كذلك كان المعنى: ليقم بذلك بعضكم، فكان في الحقيقة هذا إيجاباً على البعض لا على الكل، والله أعلم.

وفيه قول رابع: وهو قول الضحاك: إن المراد من هذه الآية أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأنهم كانوا يتعلمون من الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ويعلمون الناس، والتأويل على هذا الوجه: كونوا أمة مجتمعين على حفظ سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتعلم الدين”(9).

ونقل القولين في (من) القرطبي حيث قال: “و(مِن) في قوله: (مِنْكُمْ) للتبعيض، ومعناه: أن الآمِرِين يجب أن يكونوا علماء، وليس كل الناس علماء، وقيل: لبيان الجنس، والمعنى: لتكونوا كلكم كذلك”(10).

قلت: والقول الأول أصح، وهو أن (من) للتبعيض، فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وقد عينهم الله تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ﴾[الحـج:41]، وليس كل الناس مُكِّنُوا.

وأيضاً وإن كان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجباً على الكل، إلا أنه متى قام به قوم سقط التكليف عن الباقين، فالأمر عام، ثم إذا قامت به طائفة وقعت الكفاية، وزال التكليف عن الباقين.

وفي قوله في الآية: ﴿أمة﴾ الأمة تطلق على:

1- الجماعة والطائفة؛ كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف:38]، وأصل الأمة من كلام العرب الطائفة من الناس التي تؤم قصداً واحداً من نسب أو موطن أو دين أو مجموع ذلك، ويتعين ما يجمعها بالإضافة أو الوصف، كقولهم: أمة العرب، وأمة غسان، وأمة النصارى، 2- وتطلق على أتباع الأنبياء لاجتماعهم على مقصد واحد، وعلى القدوة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ [النحل:120].

3- وتطلق على الدين والملة، ومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾[الزخرف:22].

4- و تطلق على الزمان، ومنه: ﴿وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف:45].. إلى غير ذلك من معانيها.

وقوله: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:104]، المراد من الدعاء إلى الخير: الدعاء إلى ما فيه صلاح ديني أو دنيوي، فالخير هنا اسم يجمع خصال الإسلام، كما في حديث حذيفة بن اليمان قلت: «يا رسول الله! إنا كنا في جاهلية وشر، فجاءنا الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر»(11)… الحديث.

قال ابن عاشور: “وأريد بالخير ما يشمل جميع الخيرات، ومنها: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون العطف من عطف الخاص على العام للاهتمام به”(12).

وإظهاراً لشرفهما، وأنهما الفردان الكاملان من الخير الذي أمر الله عباده بالدعاء إليه؛ كما قيل في عطف جبريل وميكائيل على الملائكة.

وقال ابن المنير: “إن هذا ليس من تلك الباب؛ لأنه ذكر بعد العام جميع ما يتناوله؛ إذ الخير المدعو إليه إما فعل مأمور، أو ترك منهي، لا يعدو واحداً من هذين، حتى يكون تخصيصهما بتميزهما عن بقية المتناولات، فالأولى أن يقال: فائدة هذا التخصيص ذكر الدعاء إلى الخير عاماً، ثم مفصلاً.

وفي تثنية الذكر على وجهين ما لا يخفى من العناية، إلا إن ثبت عرف يخص الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ببعض أنواع الخير، وحينئذٍ يتم ما ذُكر، وما أرى هذا العرف ثابتاً” انتهى(13).

وله وجه وجيه؛ لأن الدعاء إلى الخير لو فسر بما يشمل أمور الدنيا -وإن لم يتعلق بها أمر أو نهي- كان أعم من فرض الكفاية، ولا يخفى ما فيه… وهذا يدل أن الدعاء إلى الخير لا يشمل الدعاء إلى أمور الدنيا.

وقيل: إن الدعوة إلى الخير غير الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيكون عطف الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر عليه من عطف الشيء على مغايره، وهو أصل العطف.

فمن الناس من فسر الخير بمعروف خاص، وهو الإيمان بالله تعالى، وجعل المعروف في الآية ما عداه من الطاعات، فحينئذٍ لا يتأتى ما قاله ابن المنير أيضاً، ويؤيده ما أخرجه ابن أبي حاتم عن مقاتل: “أن الخير الإسلام، والمعروف طاعة الله، والمنكر معصيته”(14).

يقول صاحب “جامع لطائف التفسير”: “ولأجل العطف يجب كون هذه الثلاثة متغايرة، فنقول: أما الدعوة إلى الخير فأفضلها الدعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته وتقديسه عن مشابهة الممكنات”(15).

وهذا الواجب -وهو الدعوة إلى الخير- يتفاوت، يقول ابن عاشور: “إن الدعوة إلى الخير تتفاوت: فمنها ما هو بيّن يقوم به كل مسلم، ومنها ما يحتاج إلى علم فيقوم به أهله، وهذا هو المسمى بفرض الكفاية، يعني: إذا قام به بعض الناس كفى عن قيام الباقين، وتتعين الطائفة التي تقوم بها بتوافر شروط القيام بمثل ذلك الفعل فيها: كالقوة على السلاح في الحرب، وكالسباحة في إنقاذ الغريق، والعلم بأمور الدين في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وكذلك تعين العدد الذي يكفي للقيام بذلك الفعل، مثل كون الجيش نصف عدد جيش العدو، ولما كان الأمر يستلزم متعلقاً، فالمأمور في فرض الكفاية الفريق الذين فيهم الشروط، ومجموع أهل البلد، أو القبيلة لتنفيذ ذلك، فإذا قام به العدد الكافي ممن فيهم الشروط سقط التكليف عن الباقين، وإذا لم يقوموا به كان الإثم على البلد، أو القبيلة؛ لسكوت جميعهم، ولتقاعس الصالحين للقيام بذلك، مع سكوتهم أيضاً، ثم إذا قام به البعض فإنما يثاب ذلك البعض خاصة”(16).

وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:104] المعروف الوارد في الآية الذي يأمرون به: هو ما يعرف، وهو مجاز في المقبول المرضي به؛ لأن الشيء إذا كان معروفاً كان مألوفاً مقبولاً مرضياً به، وأريد به هنا ما يقبل عند أهل العقول وفي الشرائع، وهو الحق والصلاح؛ لأن ذلك مقبول عند انتفاء العوارض.

والمنكر: مجاز في المكروه، والكره لازم للإنكار؛ لأن المنكر في أصل اللسان هو الجهل، ومنه تسمية غير المألوف نكرة، وأريد به هنا الباطل والفساد؛ لأنهما من المكروه في الجبلة عند انتفاء العوارض.

والتعريف في (الخير) و(المعروف) و(المنكر) تعريف الاستغراق، فيفيد العموم في المعاملات، بحسب ما ينتهي إليه العلم والمقدرة، فيشبه الاستغراق العرفي، فالمعروف شامل لكل ما أمر به الشرع، وما تقبله العقول والفطر السليمة، والمنكر ضده، وقد تقدم بيانهما.

والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا بد له من جماعة تدعو إليه، وتقوم به، يقول سيد قطب -رحمه الله-: “ولا بد من جماعة تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، لا بد من سلطة في الأرض تدعو إلى الخير، وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، والذي يقرر أنه لا بد من سلطة هو مدلول النص القرآني ذاته، فهناك (دعوة) إلى الخير، ولكن هناك كذلك (أمر) بالمعروف، وهناك (نهي) عن المنكر، وإذا أمكن أن يقوم بالدعوة غير ذي سلطان، فإن (الأمر والنهي) لا يقوم بهما إلا ذو سلطان.

هذا هو تصور الإسلام للمسألة، إنه لا بد من سلطة تأمر وتنهى، سلطة تقوم على الدعوة إلى الخير، والنهي عن الشر، سلطة تتجمع وحداتها وترتبط بحبل الله وحبل الأخوة في الله، سلطة تقوم على هاتين الركيزتين مجتمعتين؛ لتحقيق منهج الله في حياة البشر، وتحقيق هذا المنهج يقتضي (دعوة) إلى الخير يعرف منها الناس حقيقة هذا المنهج، ويقتضي سلطة (تأمر) بالمعروف (وتنهى) عن المنكر فتطاع، والله يقول: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ﴾ [النساء:64]، فمنهج الله في الأرض ليس مجرد وعظ وإرشاد وبيان، فهذا شطر، أما الشطر الآخر فهو القيام بسلطة الأمر والنهي، على تحقيق المعروف، ونفي المنكر من الحياة البشرية، وصيانة تقاليد الجماعة الخيرة من أن يعبث بها كل ذي هوى، وكل ذي شهوة، وكل ذي مصلحة، وضمانة هذه التقاليد الصالحة من أن يقول فيها كل امرئ برأيه وبتصوره، زاعماً أن هذا هو الخير والمعروف والصواب!

والدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر -من ثم- تكليف ليس بالهين، ولا باليسير، إذا نظرنا إلى طبيعته، وإلى اصطدامه بشهوات الناس ونزواتهم، ومصالح بعضهم ومنافعهم، وغرور بعضهم وكبريائهم، وفيهم الجبار الغاشم، وفيهم الحاكم المتسلط، وفيهم الهابط الذي يكره الصعود، وفيهم المسترخي الذي يكره الاشتداد، وفيهم المنحل الذي يكره الجد، وفيهم الظالم الذي يكره العدل، وفيهم المنحرف الذي يكره الاستقامة، وفيهم وفيهم ممن ينكرون المعروف، ويعرفون المنكر، ولا تفلح الأمة، ولا تفلح البشرية إلا أن يسود الخير، وإلا أن يكون المعروف معروفاً، والمنكر منكراً، وهذا ما يقتضي سلطة للخير وللمعروف تأمر وتنهى وتطاع.

ومن ثم فلا بد من جماعة تتلاقى على هاتين الركيزتين: الإيمان بالله، والأخوة في الله؛ لتقوم على هذا الأمر العسير الشاق بقوة الإيمان والتقوى، ثم بقوة الحب والألفة، وكلتاهما ضرورة من ضرورات هذا الدور الذي ناطه الله بالجماعة المسلمة”(17).

ومنهم من استدل بهذه الآية في أن الفاسق ليس عليه أمر بمعروف، ولا نهي عن منكر:

قال الفخر الرازي: “منهم من تمسك بهذه الآية في أن الفاسق ليس له أن يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، قال لأن هذه الآية تدل على أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر من المفلحين، والفاسق ليس من المفلحين، فوجب أن يكون الآمر بالمعروف ليس بفاسق!

وأجيب عنه بأن هذا ورد على سبيل الغالب، فإن الظاهر أن من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر لم يشرع فيه إلا بعد صلاح أحوال نفسه؛ لأن العاقل يقدم مهم نفسه على مهم الغير، ثم إنهم أكدوا هذا بقوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ﴾ [البقرة:44] قوله: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾[الصف:2-3]، ولأنه لو جاز ذلك لجاز لمن يزني بامرأة أن يأمرها بالمعروف في أنها لم كشفت وجهها؟ ومعلوم أن ذلك في غاية القبح، والعلماء قالوا: الفاسق له أن يأمر بالمعروف؛ لأنه وجب عليه ترك ذلك المنكر، ووجب عليه النهي عن ذلك المنكر، فإذا ترك أحد الواجبين لا يلزمه ترك الواجب الآخر.

وعن بعض السلف: مروا بالخير وإن لم تفعلوا، وعن الحسن: أنه سمع مطرف بن عبد الله يقول: لا أقول ما لا أفعل، فقال: وأينا يفعل ما يقول؟ ودَّ الشيطان لو ظفر بهذه الكلمة منكم فلا يأمر أحد بمعروف، ولا ينهى عن المنكر”(18).

وفي قوله: (يدعون) و(يأمرون) و(ينهون) حُذفت مفاعيل الأفعال الثلاثة لقصد التعميم، أي: يدعون كل أحد، كما في قوله تعالى: ﴿وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [يونس:25]، قال الشوكاني: وحذف متعلق الأفعال الثلاثة: أي: يدعون ويأمرون وينهون لقصد التعميم: أي: كل من وقع منه سبب يقتضي ذلك”(19).

وقال الألوسي: “وحذف المفعول الصريح من الأفعال الثلاثة: إما للإعلام بظهوره، أي: يدعون الناس، ولو غير مكلفين، ويأمرونهم وينهونهم، وإما للقصد إلى إيجاد نفس الفعل على حد: فلان يعطي، أي: يفعلون الدعاء، والأمر والنهي، ويوقعونها”(20).

وقوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:104] ﴿وَأُوْلئِكَ﴾ أي: الموصوفون بتلك الصفات الكاملة و﴿هُمُ﴾ضمير فصل يفيد اختصاص المسند بالمسند إليه ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الظافرون ببغيتهم، وهذا وعد كريم من الله(21) فـ﴿الْمُفْلِحُونَ﴾ أي: الكاملون في الفلاح، وبهذا صح الحصر المستفاد من الفصل، وتعريف الطرفين.

قال ابن عاشور: “وجملة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ معطوفة على صفات أمة، وهي التي تضمنتها جمل: ﴿يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:104]، والتقدير: وهم مفلحون؛ لأن الفلاح لما كان مسبباً على تلك الصفات الثلاث جعل بمنزلة صفة لهم، ويجوز جعل جملة: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ حالاً من ﴿أُمَّةٌ﴾، والواو للحال، والمقصود بشارتهم بالفلاح الكامل إن فعلوا ذلك.

وكان مقتضى الظاهر فصل هذه الجملة عما قبلها بدون عطف، مثل فصل جملة: ﴿أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾[البقرة:5]، لكن هذه عطفت أو جاءت حالاً؛ لأن مضمونها جزاء عن الجمل التي قبلها، فهي أجدر بأن تلحق بها، ومفاد هذه الجملة قصر صفة الفلاح عليهم، فهو إما قصر إضافي بالنسبة لمن لم يقم بذلك مع المقدرة عليه، وإما قصر أريد به المبالغة؛ لعدم الاعتداد في هذا المقام بفلاح غيرهم، وهو معنى قصد الدلالة على معنى الكمال”(22).

ومما يدل على فلاح وخيرية من يتصف بهذه الصفات: قول الحسن: “من أمر بالمعروف، ونهى عن المنكر فهو خليفة الله تعالى، وخليفة رسوله الله -صلى الله عليه وسلم-، وخليفة كتابه”(23).

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- في هذه الآية دليل على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ووجوبه ثابت بالكتاب والسنة، وهو من أعظم واجبات الشريعة المطهرة، وأصل عظيم من أصولها، وركن مشيد من أركانها، وبه يكمل نظامها، ويرتفع سنامها.

قال الغزالي -رحمه الله-: “في هذه الآية بيان الإيجاب، فإن قوله تعالى: ﴿وَلْتَكُن﴾ [آل عمران:104] أمر، وظاهر الأمر الإيجاب، وفيها بيان أن الفلاح منوط به؛ إذ حَصَرَ، وقال: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران:104].

وفيها: بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين، وأنه إذا قام به أمة سقط الفرض عن الآخرين؛ إذ لم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، بل قال: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ﴾ [آل عمران:104]، فإذاً مهما قام به واحد أو جماعة سقط الحرج عن الآخرين، واختص الفلاح بالقائمين به المباشرين، وإن تقاعد عنه الخلق أجمعون عم الحرج كافة القادرين عليه لا محالة”(24) انتهى.

فإن قلت: فمن يباشره؟ فالجواب: كل مسلم تمكن منه، ولم يغلب على ظنه أنه إن أنكر لحقته مضرة عظيمة، أو إن نهيه لا يؤثر؛ لأنه عبث، إلا أنه يستحب لإظهار شعار الإسلام، وتذكير الناس بأمر الدين.

فإن قلت: فمن يُؤمر ويُنهى؟ قلت: كل مكلف وغير المكلف، إذا همّ بضرر غيره مُنع: كالصبيان والمجانين، وينهى الصبيان عن المحرمات؛ حتى لا يتعودوها، كما يؤخذون بالصلاة ليمرنوا عليها، ذكره الزمخشري(25).

2- وأوجبت هذه الآية أن تقوم طائفة من المسلمين بهذه الأمور الثلاثة: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله، يقول الغزالي -رحمه الله-: “هذه الآية اشتملت على التكليف بثلاثة أشياء:

أولها: الدعوة إلى الخير، ثم الأمر بالمعروف، ثم النهي عن المنكر؛ ولأجل العطف يجب كون هذه الثلاثة متغايرة، فنقول: أما الدعوة إلى الخير فأفضلها الدعوة إلى إثبات ذات الله وصفاته، وتقديسه عن مشابهة الممكنات، وإنما قلنا: إن الدعوة إلى الخير تشتمل على ما ذكرنا؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل:125].

وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ [يوسف:108].

إذا عرفت هذا فنقول: الدعوة إلى الخير جنس تحته نوعان:

أحدهما: الترغيب في فعل ما ينبغي، وهو بالمعروف.

والثاني: الترغيب في ترك ما لا ينبغي، وهو النهي عن المنكر، فذكر الجنس أولاً، ثم أتبعه بنوعية مبالغة في البيان.

وأما شرائط الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر فمذكورة في كتب الكلام”(26).

3- نعم قد ذكر العلماء للأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر شروطاً مبينة في الفقه والآداب الشرعية، إلا أني أنبه إلى شرط ساء فهم بعض الناس فيه، وهو قول بعض الفقهاء: يشترط ألا يجر النهي إلى منكر أعظم، وهذا شرط قد خرم مزية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واتخذه المسلمون ذريعة لترك هذا الواجب، ولقد ساء فهمهم فيه؛ إذ مراد مشترطه أن يتحقق الآمر أن أمره يجر إلى منكر أعظم، لا أن يخاف أو يتوهم؛ إذ الوجوب قطعي، فلا يعارضه إلا ظن أقوى.

4- وفي الآية دليل على علو شأن هذه الفريضة، وللغزالي كلام نفيس في بيان أهمية الأمر والنهي، حيث يقول -رحمه الله-: “إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو القطب الأعظم في الدين، وهو المهم الذي ابتعث الله له النبيين أجمعين، ولو طوي بساطه، وأهمل علمه وعمله؛ لتعطلت النبوة، واضمحلت الديانة، وعمت الفترة، وفشت الضلالة، وشاعت الجهالة، واستشرى الفساد، واتسع الخرق، وخربت البلاد، وهلك العباد، ولم يشعروا بالهلاك إلا يوم التناد، وقد كان الذي خفنا أن يكون، فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل الناس في اتباع الهوى والشهوات استرسال البهائم، وعز على بساط الأرض مؤمن صادق لا تأخذه في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة إما متكفلاً بعملها، أو متقلداً لتنفيذها مجدداً لهذه السنة الداثرة ناهضاً بأعبائها، ومتشمراً في إحيائها كان مستأثراً من بين الخلق بإحياء سنة، أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبداً بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها”(27) انتهى.

____________________________________________

(1) تفسير القرطبي ح (4) (ص:165- 166).

(2) المحرر الوجيز ج (1) (ص:478).

(3) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:22-23]، ج (6) (ص:2710- 7009)، ومسلم في القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال ج (5) (ص:107- 4477).

(4) انظر: جامع لطائف التفسير (15/ 332) بتصرف.

(5) التحرير والتنوير ج (1) (ص:800).

(6) تفسير الألوسي ج (3) (ص:159).

(7) التحرير والتنوير ح (3) (ص:178-180).

(8) المحرر الوجيز ج (1) (ص:478).

(9) مفاتيح الغيب ح (8) (ص:145-146).

(10) تفسير القرطبي ج (4) (ص:165).

(11) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب علامات النبوة في الإسلام ج (3) (ص:1319-3411)، وفي كتاب الفتن، باب كيف الأمر إذا لم تكن جماعة ج (6) (ص:2595-6673).

(12) التحرير والتنوير ح (3) (ص:181-183).

(13) تفسير الألوسي ج (3) (ص:159).

(14) تفسير الألوسي ج (3) (ص:159).

(15) جامع لطائف التفسير (15/ 335).

(16) التحرير والتنوير ح (3) (ص:181-183).

(17) في ظلال القرآن ج (1) (ص:413).

(18) مفاتيح الغيب ح (8) (ص:146-147).

(19) فتح القدير (1/ 557).

(20) تفسير الألوسي (ج (3) (ص:159).

(21) انظر: المحرر الوجيز ح (1) (ص:485-486).

(22) التحرير والتنوير ح (3) (ص:183).

(23) تفسير الألوسي روح المعاني (2/ 239).

(24) إحياء علوم الدين (2/ 307).

(25) انظر: محاسن التأويل (تفسير القاسمي) سورة آل عمران تفسير آية: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ﴾ [آل عمران:104].

(26) مفاتيح الغيب ح (8) (ص:146).

(27) الإحياء ح (2) (ص:206-207) بتصرف يسير.

Leave a comment

Your email address will not be published.

*