الوقفة الخامسة: ذم أحبار بني إسرائيل ورهبانهم لعدم قيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة الخامسة مع آيات الحسبة في القرآن الكريم.

الآية الخامسة: قال تعالى: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63].

جاءت هذه الآية بعد قوله تعالى: ﴿وَتَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:62], ثم قال الله: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63].

وهي في ذم بني إسرائيل لعدم قيامهم بوظيفة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، قال ابن كثير: “أي: كان لا ينهى أحد منهم أحداً عن ارتكاب المآثم والمحارم، ثم ذمهم على ذلك؛ ليحذر أن يرتكب مثل الذي ارتكبوه”(1).

فدلّ هذا على أن الساكت على المنكر أشد ممن ارتكبه؛ لأنه بسكوته جرّأ صاحب المنكر، وجرّأ غيره، ولو تناهى الناس عن المنكر لما انتشر منكر، فالرعية مؤاخذة بما اجترحت، والأحبار والرهبان مؤاخذون بما سكتوا، وإن لم يتدنوا إلى قول إثم أو أكل سحت.

يقول سيد قطب -رحمه الله-: “فهذه السمة سمة سكوت القائمين على أمر الشريعة والعلم الديني عما يقع في المجتمع من إثم وعدوان هي سمة المجتمعات التي فسدت، وآذنت بالانهيار، وبنو إسرائيل كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه، كما حكى عنهم القرآن الكريم.

إن سمة المجتمع الخير الفاضل الحي القوي المتماسك أن يسود فيه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، أن يوجد فيه من يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر; وأن يوجد فيه من يستمع إلى الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر; وأن يكون عرف المجتمع من القوة بحيث لا يجرؤ المنحرفون فيه على التنكر لهذا الأمر والنهي، ولا على إيذاء الآمرين بالمعروف، الناهين عن المنكر، وهكذا وصف الله الأمة المسلمة، فقال: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:110], ووصف بني إسرائيل فقال: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:79], فكان ذلك فيصلاً بين المجتمعين وبين الجماعتين.

أما هنا فينحي باللائمة على الربانيين والأحبار الساكتين على المسارعة في الإثم والعدوان، وأكل السحت; الذين لا يقومون بحق ما استحفظوا عليه من كتاب الله.

وإنه لصوت النذير لكل أهل دين، فصلاح المجتمع أو فساده رهن بقيام الحفظة على الشريعة والعلم فيه بواجبهم في الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر; والأمر كما قلنا من قبل في الظلال يقتضي سلطة تأمر وتنهى، والأمر والنهي أمر غير الدعوة، فالدعوة بيان، والأمر والنهي سلطان، وكذلك ينبغي أن يحصل الآمرون بالمعروف، الناهون عن المنكر على السلطان الذي يجعل لأمرهم ونهيهم قيمته في المجتمع; فلا يكون مطلق كلام”(2).

ويقول ابن جرير -رحمه الله-: “وكان العلماء يقولون: ما في القرآن آية أشدَّ توبيخًا للعلماء من هذه الآية، ولا أخوف عليهم منها”(3).

“ولقد قال ابن عباس في هذه الآية: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:63]: إنها أصعب آية في كتاب الله؛ لأنها تبين إثم الذين يقصرون في الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، وهما عصام الأمر، ومانعا الإثم، وبهما صلاح الجماعة الإنسانية.

وروى الإمام أحمد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «ما من قوم يكون بين أظهرهم من يعمل بالمعاصي وهم أعز منه وأمنع، ولم يغيروا إلا أصابهم الله بعذاب من عنده»(4).

وروى يحيى بن معمر: أن علي بن أبي طالب خطب فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنما هلك من كان قبلكم بركوبهم المعاصي، ولم ينههم الربانيون والأحبار، فلما تمادوا في المعاصي أخذتهم العقوبات، فأمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر قبل أن ينزل بكم مثل الذي نزل بهم، واعلموا أن الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر لا يقطع رزقاً، ولا يقرب أجلاً”(5).

وإن ما توقعه إمام الهدى علي -رضي الله عنه- قد وقع، فإن بعض الذين يتخذون من المؤمنين مكان الأحبار قد سكتوا عن النهى عن قول الإثم، بل منهم من أيد المنكر بعد أن ارتضاه، ومنهم من مالأ في دينه يحسب أن قول الحق قد يقطع رزقاً، أو يضيع أملاً، وبذلك وقعت معاصٍ من غير استنكار، وترك الواجب في استهتار، ولا منادي بالحق.

وقوله في الآية: ﴿لَوْلاَ﴾ أي: هلا كان من هؤلاء الذين كان يتبعهم اليهود، ويستمعون إليهم، ويستجيبون لهم من يرشدهم إلى الحق ليتبعوه، وينهاهم عن الظلم ليجتنبوه، وقد اتخذوا أولئك الأحبار والربانيين وسطاء بينهم وبين الله؛ ليتعرفوا حكمه عن طريقهم، ولكنهم لم يفعلوا.

قال البيضاوي: “فيها تحضيض لعلمائهم على النهي عن ذلك، فإن ﴿لَوْلاَ﴾ إذا دخل على الماضي أفاد التوبيخ، وإذا دخل على المستقبل أفاد التحضيض”(6).

وقد تكون ﴿لَوْلاَ﴾ هاهنا للتوبيخ على تقصيرهم في الماضي، وتخاذلهم عن أدائه، وإلا ما كان ذم حالهم، واستنكر أمرهم.

و﴿لَوْلاَ﴾ هذه لا يليها إلا الفعل؛ لأنها للأمر والتحضيض مظهراً أو مضمراً، كما قال:

تعدون عقر النيب أفضل مجدكم *** بني ضوطري لولا الكمي المقنعا

أي: هلا تعدون الكمي المقنعا.

و ﴿لَوْلاَ﴾ الأخرى لا يليها إلا الاسم، ويكون خبرها محذوف، ولا بد في جوابها من اللام، أو معنى اللام، تقول: لولا زيدٌ فعلت، والمعنى: لفعلت.

أما (لو) لا يليها إلا الفعل مضمراً أو مظهراً؛ لأنها تشارك حروف الجزاء في ابتداء الفعل وجوابه، تقول: لو جئتني لأعطيتك، فهذا ظهور الفعل وإضماره؛ كقوله -عز وجل-: ﴿قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ [الإسراء:100](7).

وقوله: ﴿يَنْهَاهُمُ﴾ [المائدة:63] أي: هلا نهاهم العلماء المتصدون لنفع الناس عن هذه الشرور العظيمة، وهم –أي: العلماء- العارفون بالشر، ومداخل الشر، فكان لزاماً أن يبينوا للناس، والناس عليهم لزوم طاعة العلماء، والاستجابة لتحذيرهم من الشر، ونهيهم عن المعاصي.

وإنكار هؤلاء ليس كإنكار غيرهم؛ فأصحاب المنكر إما أن يستجيبوا لهم ثقة في علمهم ورأيهم، أو مجاملة وخشية، وحين يتجرؤون على مخالفتهم فهم أجرأ على مخالفة غيرهم.

ولعل ذكر نهي الأحبار للعامة عن السحت تعريض بهم؛ لأنهم كانوا لا يتعففون عن الرشا بكل أنواعها، كما أن ذكر النهي عن قول الإثم تعريض آخر بأحوالهم، فإن من قول الزور تحريف الكلم عن مواضعه، والنطق بالزور في الشرع، وكان يقع منهم؛ ولذلك ذم سبحانه صنيعهم، وهو لا يخلو من فساد حكمهم، وتغيير حكم الشرع لهوى الأقوياء منهم.

وقوله: ﴿الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:63] الربانيون: هنا هم العلماء الذين يحاولون أن يكون علمهم لله، ويتصلون بربهم حتى ينسبوا إليه، ولا يكون لهم وصف إلا نسبتهم إليه سبحانه، يزعمون ذلك في أقوالهم، ويظهرونه في أعمالهم.

وفي صحيح البخاري: “يقال: الرباني هو الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره”(8) انتهى.

فالرباني هو: العالم العامل المعلم المتمسك بدين الله وطاعته، البصير في سياسة الناس.

ويمكن للعبد أن يكون عبداً ربانياً إذا اتصف بهذه الصفات: من العلم, والحلم, والحكمة, والزهد, والعبادة، وتعليم الناس الخير، والسبيل إلى ذلك كله هو تقوية الإيمان بالله تعالى، وكمال التصديق بوعده ووعيده.

والأحبار هم الفقهاء، أو العلماء الذين يفسرون أحكام الكتاب، ويعرفون الناس بشئون دينهم، وقد يكون من يجمع بين الوصفين، ولكن لكل وصف جانب من العمل.

قال ابن كثير -رحمه الله-: “قال السدِّي: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى، وهو كما قال، فإن الأحبار علماء اليهود، كما قال تعالى: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة:63].

والرهبان: عباد النصارى، والقسيسون علماؤهم، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا﴾ [المائدة:82], والمقصود التحذير من علماء السوء، وعباد الضلال، كما قال سفيان بن عيينة: من فَسَد من علمائنا كان فيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى”(9).

وقال الحسن في قوله تعالى: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ﴾ [المائدة:63]: “الفقهاء والعلماء”(10).

وقوله: ﴿عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ﴾ [المائدة:63], هو كل قول باطل، ومنه قول الزور، وتحريف الكلم عن مواضعه، والنطق بالزور في الشرع، وسب الله ورسوله.

يقول سيد قطب -رحمه الله-: “وكنموذج من قولهم الإثم في أبشع صوره يحكي القرآن الكريم قول اليهود الغبي اللئيم:﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنفِقُ كَيْفَ يَشَاء﴾ [المائدة:64], وذلك من سوء تصور يهود لله سبحانه، فقد حكى القرآن الكريم الكثير من سوء تصورهم ذاك، وقد قالوا: ﴿إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء﴾ [آل عمران:181] عندما سئلوا النفقة، وقالوا: ﴿يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:64]، يعللون بذلك بخلهم; فالله بزعمهم لا يعطي الناس، ولا يعطيهم إلا القليل، فكيف ينفقون؟!

وقد بلغ من غلظ حسهم، وجلافة قلوبهم ألا يعبروا عن المعنى الفاسد الكاذب الذي أرادوه -وهو البخل- بلفظه المباشر; فاختاروا لفظاً أشد وقاحة وتهجماً وكفراً، فقالوا: ﴿يَدُ اللّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة:64]، ويجيء الرد عليهم بإحقاق هذه الصفة عليهم, ولعنهم وطردهم من رحمة الله؛ جزاء على قولهم, فقال سبحانه رادًا عليهم: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُواْ بِمَا قَالُواْ﴾ [المائدة:64], وكذلك كانوا فهم أبخل خلق الله بمال…”(11).

وقوله: ﴿وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة:63] وهو المال الحرام، ومنه الرشوة، ولم تستخدم كلمة: ﴿السُّحْتَ﴾ في القرآن إلا في حق اليهود، فالسحتُ كلُّ مالٍ أخِذ بغير حق، وكل مكسب بغير سبب شرعي فهو سحت، وهو من أخلاق اليهود.

والجمهور على أن السحت هو الرشا، وقيل: هو الربا، وقيل: هو الرشا، وسائر مكسبهم الخبيث(12).

وقال الحسن -رحمه الله-: “كان الحاكم من بني إسرائيل إذا أتاه أحدهم برشوة جعلها في كمّه فأراها إياه، وتكلم بحاجته، فيسمع منه، ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة، ويسمع الكذب: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾[المائدة:42]”(13).

وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63] قال بعض المفسرين: لبئس ما كان يصنع الربانيون من العلماء بتركهم النهي عن المنكر، والأمر بالمعروف، وقال آخرون: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ الذين يقولون الإثم، ويأكلون السحت، وكلا المعنيين صحيح.

وهنا يتكلم المفسرون في التفرقة بين ذم أعمال اليهود عامة من دهماء.. وغيرهم, بقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:62], وذم أعمال الربانيين والأحبار بقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63].

وخلاصة هذه التفرقة: أن العمل يكون عادة بانبعاث شهوة من طمع في مال أو لذة جسد، أما الصنيع فإنه يكون بمهارة وتدبير وتعرف للغايات والنتائج، ولو كانت آثمة، وأن الصنيع يكون بالعمل.. وغيره.

ومن أحسن من قال في التفرقة فخر الدين الرازي في تفسيره الكبير، فقد قال موضحاً ما ذكره الزمخشري.. وغيره: “والمعنى: أن الله تعالى استبعد من علماء أهل الكتاب أنهم ما نهوا سفلتهم وعامتهم عن المعاصي؛ وذلك يدل أن تارك النهي عن المنكر بمنزلة مرتكبه؛ لأنه تعالى ذم الفريقين في هذه الآية على لفظ واحد، بل نقول: إن ذم تارك النهي عن المنكر أقوى؛ لأنه تعالى قال في المقدمين على الإثم والعدوان وأكل السحت: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[المائدة:62], وقال في العلماء التاركين للنهي عن المنكر: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63], والصنع أقوى من العمل؛ لأن العمل إنما يسمى صناعة إذا صار مستقراً راسخاً متمكناً، فجعل جرم العاملين ذنباً غير راسخ، وذنب التاركين للنهي ذنباً راسخاً متمكناً”(14).

والأمر في الحقيقة كذلك؛ لأن المعصية مرض الروح، وعلاجه العلم بالله وبصفاته، وبأحكامه، فإذا حصل هذا العلم، وما زالت المعصية كان مثل المرض الذي شرب صاحبه الدواء فما زال، وإن هؤلاء الربانيين والأحبار لم يكن ما أخذ عليهم هو السكوت عن النهي فقط، بل إنهم رتعوا فيما رتع فيه غيرهم، وبذلك ضلوا، وكانوا سبباً في فساد الجمع كله، ولعنهم وطردهم، كما قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:78-79].

ومعنى: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63] من ترهبهم وتعلمهم لغير دين الله، أو من تركهم نهيهم، وهذا الذم المقول فيهم أبلغ مما قيل في حق عامتهم، أولاً: لأنه لما عبر عن الواقع المذموم من مرتكبي المناكير بالعمل في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة:62], وعبرّ عن ترك الإنكار عليهم حيث ذمه بالصناعة في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63], فكان هذا الذم أشد؛ لأنه جعل المذموم عليه صناعة لهم وللرؤساء، وحرفة لازمة، هم فيها أمكن من أصحاب المناكير في أعمالهم.

وهذا معنى قول الزمخشري: “كأنهم جُعِلوا آثم من مرتكبي المناكير؛ لأن كل عامل لا يسمى صانعاً، ولا كل عمل يسمى صناعة، حتى يتمكن فيه ويتدرب، وينسب إليه، وكأن المعنى في ذلك أن مُوَاقِعَ المعصية معه الشهوة التي تدعوه إليها، وتحمله على ارتكابها، وأما الذي ينهاه فلا شهوة معه في فعل غيره، فإذا فرط في الإنكار كان أشد حالاً من المُواقِع”.

ثم قال الزمخشري: “ولعمري إن هذه الآية مما يَقِذُ السامع، وينعى على العلماء توانيهم”(15).

والمقصود أن قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة:63], فيه زيادة على قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾[المائدة:62]؛ لأن العمل لا يبلغ درجة الصنع حتى يتدرب فيه صاحبه؛ ولهذا تقول العرب: سيف صنيع، إذا جود عامله عمله، فالصنع هو العمل الجيد، لا مطلق العمل، فوبخ سبحانه الخاصة -وهم العلماء التاركون للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بما هو أغلظ وأشد من توبيخ فاعل المعاصي.

“فليفتح العلماء لهذه الآية مسامعهم، ويفرجوا لها عن قلوبهم، فإنها قد جاءت بما فيه البيان الشافي لهم بأن كفهم عن المعاصي مع ترك إنكارهم على أهلها لا يسمن ولا يغني من جوع، بل هم أشد حالاً، وأعظم وبالاً من العصاة، فرحم الله عالماً قام بما أوجبه الله عليه من فريضة الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فهو أعظم ما افترضه الله عليه، وأوجب ما أوجب عليه النهوض به”(16).

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- بيان استهتار اليهود، وعدم مبالاتهم بارتكابهم الجرائم علانية.

2- قبح سكوت العلماء على المنكر، وإغضائهم على فاعليه؛ ولذا قال كثير من السلف في هذه الآية: إنها أشد آية، وأخطرها على العلماء.

3- في الآية: دلالة على أن على العلماء أن يقوموا بواجبهم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وأن ينهوا الناس عن هذه المحرمات والمنكرات والفتن, وخاصة التي غزتنا في مجتمعاتنا اليوم.

وفي (الإكليل): “في هذه الآية وجوب النهى عن المنكر على العلماء، اختصاص ذلك بهم”(17).

4- “وفي هذه الآية أيضاً: دلالة على أنه يجب كف السمع عن الإصغاء إلى كل مكروه؛ لأن كل ما حرم قوله حرم الإصغاء إليه؛ ولذلك سوى الله -عز وجل- بين المستمع للإثم، وآكل السحت، فقال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة:42].

وقال -عز وجل-: ﴿لَوْلاَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة:63], فالسكوت على الغيبة حرام.

وقال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ﴾ [النساء:140]”(18).

________________________________________

(1) تفسير ابن كثير (2/ 618).

(2) في ظلال القرآن (2/ 392).

(3) تفسير الطبري ج (10) (ص:449).

(4) أخرجه أحمد ج (31) (ص:548-19216).

(5) زهرة التفاسير: (5/ 2275-2276).

(6) تفسير البيضاوي ج (1) (ص:344).

(7) انظر: الكامل في اللغة والأدب (1/ 2).

(8) صحيح البخاري ج (1) (ص:37).

(9) تفسير ابن كثير ج (2) (ص:350).

(10) تفسير الطبري (جامع البيان) – ت شاكر (10/ 343).

(11) في ظلال القرآن (2/ 392).

(12) تفسير البحر المحيط ج (4) (ص:471).

(13) اللباب في علوم الكتاب ج (6) (ص:82).

(14) تفسير الرازي – مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير (12/ 393).

(15) الكشاف ج (2) (ص:44).

(16) انظر: فتاوى الشبكة الإسلامية (8/ 977) بتصرف.

(17) الإكليل في استنباط التنزيل (ص:113).

(18) انظر: جامع لطائف التفسير (3/ 414) بتصرف.

 

Leave a comment

Your email address will not be published.

*