الوقفة الرابعة: التلازم بين الإيمان بالله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة الرابعة مع آيات الحسبة في القرآن الكريم.

الآية الرابعة: قال تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:114].

هذه الآية ذكرها الله بعد قوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:113], ثم قال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:114], فهذا وصف لبعض أهل الكتاب بهذه الصفات، وهي فئة قليلة منهم، وهم الذين دخلوا في الإسلام، مثل: عبد الله بن سلام، وقد كانوا فئة قليلة بين قومهم، فلم يكونوا جمهرة الأمة.

قال السعدي -رحمه الله تعالى-: “لما ذكر الله المنحرفين من أهل الكتاب بيّن حالة المستقيمين منهم، وأن منهم أمة مقيمين لأصول الدين وفروعه: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ وهو الخير كله، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ وهو جميع الشر، كما قال تعالى: ﴿وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ [الأعراف:159], ﴿ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ والمسارعة إلى الخيرات قدر زائد على مجرد فعلها، فهو وصف لهم بفعل الخيرات، والمبادرة إليها، وتكميلها بكل ما تم به من واجب ومستحب”(1).

وقال ابن عباس: “لما أسلم عبد الله بن سلام وثعلبة بن سعية وأسد بن عبيد وأسيد بن سعية، ومن أسلم من يهود معهم فآمنوا وصدقوا، ورغبوا في الإسلام، ومنحوا فيه، قالت أحبار يهود أهل الكفر منهم: ما آمن بمحمد ولا تبعه إلا شرارنا، ولو كانوا من خيارنا ما تركوا دين آبائهم وذهبوا إلى غيره، فأنزل الله -عز وجل- في ذلك من قولهم: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ﴾ [آل عمران:113]… إلى قوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران

:114]”(2).

وقد علق ابن تيمية على هذه الآية بقوله: “فهذه الآية لا اختصاص فيها للنصارى، بل هي مذكورة بعد قوله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [آل عمران:110]”.. إلى أن قال: “والآية إذا تناولت النصارى كان حكمهم في ذلك حكم اليهود، والله تعالى إنما أثنى على مَن آمن مِن أهل الكتاب, كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾ [آل عمران:199], وقد ذكر أكثر العلماء أن هذه الآية الأخرى في آل عمران نزلت في النجاشي.. ونحوه ممن آمن بالرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لكنه لم تمكنه الهجرة إلى الرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولا العمل بشرائع الإسلام؛ لكون أهل بلده نصارى لا يوافقونه على إظهار شرائع الإسلام، وقد قيل: إن الرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إنما صلى عليه لما مات لأجل هذا… “(3).

وعلى كلٍ فالآيتان جاءتا تحملان الدلالة الصريحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الطريق الصحيح والمنهج الحق، وأنه لا يستوي من قام به، ومن أهمله وفرّط فيه، فقال: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:113-114].

قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: “قوله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء﴾ أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن، ومنهم المجرم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي ﴿قَآئِمَةٌ﴾ يعني: مستقيمة”(4).

ومفهوم هذه الآية: أن الأمة التي ليست كذلك، ولم تتصف بهذه الصفات فهي أمة منحرفة ضالة زائغة.

“وتؤكِّد الآيات الكريمة على عدم تساوي أهل الكتاب في مراتب الجودة والفلاح، ومدى تفهُّمهم للإيمان الحقيقي، وينابيعه الصافية، وجوهره النقي، فعلى الرغم من انحراف أكثرهم، فإن طائفة منهم قد سطع في قلوبهم نور الحقيقة، فهم يقومون لله, فيتلُون آياته، ويُصَلُّون بخشوع وإيمان، ساجدين له، مقرِّين بفضله، ناشدين قربه، قد آمنوا بالله الواحد الأحد، وأن يوم الحساب آتٍ لا ريب فيه، واستعدَّوا بأعمالهم لمثل هذا اليوم، وصاروا منارات للهدى، فدلُّوا الخلائق إلى سبل الخير والعلم والفلاح، وأنقذوهم من براثن الفسق والانحلال والجهل، وقد نشطوا في إتمام البناء الأخلاقي بهمة وثبات، وكأنهم يسابقون الزمن، فاستحقُّوا أن يكونوا هداة مهديين، صالحين ومصلحين”(5).

وهذه الآية من الآيات التي يستدل بها البعض على جواز التقارب مع اليهود والنصارى, حيث ينزلونها على أهل الكتاب الحاليين، والآية ليس لها علاقة بأهل الكتاب الحاليين, وإنما هي خاصة بأولئك الذين آمنوا بمحمد -صلى الله عليه وسلم-: كعبد الله بن سلام.. وغيره من الصحابة الذين كانوا يهوداً فأسلموا، وحسن إسلامهم.

وفي قوله: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء﴾ [آل عمران:113] قيل: معناها: ليس أهل الكتاب وأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- سواء, ثم تمّ الكلام، واستُؤنف بعد ذلك: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران:113], وهم الذين اتبعوا محمداً -صلى الله عليه وسلم-، وآمنوا به، وصدقوه.

قال القرطبي -رحمه الله-: “قوله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء﴾ وتمّ الكلام، والمعنى: ليس أهل الكتاب وأمة محمد -صلى الله عليه وسلم- سواء”(6).

وقال ابن كثير: “قال ابن أبي نَجِيح: زَعَم الحسن بن يَزيد العِجْليّ عن ابن مسعود في قوله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ [آل عمران:113] قال: لا يستوي أهل الكتاب وأمة محمد -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا قال السدي.

ويؤيد هذا القول الحديثُ الذي رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده: حدثنا أبو النَّضْر وحسن بن موسى قالا: حدثنا شَيْبان، عن عاصم، عن زر، عن ابن مسعود قال: «أخر رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة العشاء، ثم خرج إلى المسجد، فإذا الناس ينتظرون الصلاة, فقال: أما إنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم, قال: وأُنزلت هذه الآيات: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ [آل عمران:113].. إلى قوله: ﴿وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:115]»(7).

“والمشهور عن كثير من المفسرين -كما ذكره محمد بن إسحاق.. وغيره، ورواه العوفِي عن ابن عباس- أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب: كعبد الله بن سلام، وأسد بن عُبيد، وثعلبة بن سَعْية، وأسَيد بن سعْية.. وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً﴾[آل عمران:113] أي: ليسوا كلُّهم على حد سواء، بل منهم المؤمن، ومنهم المُجْرم؛ ولهذا قال تعالى: ﴿مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ﴾ [آل عمران:113] أي: قائمة بأمر الله، مطيعة لشَرْعه، مُتَّبِعة نبيَّ الله، فهي ﴿قَائِمَةٌ﴾ يعني: مستقيمة ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران:113] أي: يقومون الليل، ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:114], وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَن يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلّهِ لاَ يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾[آل عمران:199], وهكذا قال هاهنا: ﴿وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ﴾ [آل عمران:115] أي: لا يضيع عند الله، بل يجزيكم به أوفر الجزاء”(8).

وقوله: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ [آل عمران:114] المراد بهذا الإيمان: الإيمان بجميع ما يجب الإيمان به على الوجه المقبول، وكرر الاسم الأعظم إشارة إلى استحضارهم لعظمته، فقال: ﴿ بِاللّهِ﴾ أي: الذي له من الجلال، وتناهي الكمال ما حير العقول.

وقوله: ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [آل عمران:114] لما قال: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ﴾ أتبعه بذكر اليوم الذي تظهر فيه عظمته كلها؛ لأنه الحامل على كل خير، فقال: ﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ أي: إيماناً يعرف أنه حق بتصديقهم له بالعمل الصالح, بما يرد عليهم من المعارف التي ما لها من نفاد، فيتجدد تهجدهم فتثبت استقامتهم.

وخص الله تعالى اليوم الآخر بالذكر إظهاراً لمخالفتهم لسائر اليهود، فيما عسى أن يتوهم متوهم مشاركتهم لهم فيه؛ لأنهم يدعون أيضاً الإيمان بالله تعالى واليوم الآخر، لكن لما كان ذلك مع قولهم: ﴿عُزَيْرٌ ابْنُ اللّهِ﴾ [التوبة:30], وكفرهم ببعض الكتب والرسل، ووصفهم اليوم الآخر بخلاف ما نطقت به الشريعة المصطفوية, جعل هو والعدم سواء.

قال الجصاص: “قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:114]صفة لهؤلاء الذين آمنوا من أهل الكتاب؛ لأنهم آمنوا بالله ورسوله، ودعوا الناس إلى تصديق النبي -صلى الله عليه وسلم-، والإنكار على من خالفه، فكانوا ممن قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] في الآية المتقدمة.

وقوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران:114] لما وصفهم بالاستقامة في أنفسهم وصفهم بأنهم يُقوّمون غيرهم، فقال:﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: مجددين ذلك مستمرين عليه: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:114] كذلك.

وفي قوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ قال الفخر: “قوله: ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ اعلم أن الغاية القصوى في الكمال أن يكون تاماً وفوق التمام، فكون الإنسان تاماً ليس إلا في كمال قوته العملية والنظرية وقد تقدم ذكره، وكونه فوق التمام أن يسعى في تكميل الناقصين، وذلك بطريقين:

إما بإرشادهم إلى ما ينبغي، وهو الأمر بالمعروف.

أو بمنعهم عما لا ينبغي، وهو النهي عن المنكر، قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ أي: بتوحيد الله، وبنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، ﴿وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ أي: ينهون عن الشرك بالله، وعن إنكار نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم-، واعلم أن لفظ المعروف والمنكر مطلق فلم يجز تخصيصه بغير دليل، فهو يتناول كل معروف، وكل منكر”(9).

وقال الألوسي في قوله: ﴿وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [آل عمران:114]: “فيه إشارة إلى وفور نصيبهم من فضيلة تكميل الغير إثر الإشارة إلى وفوره من فضيلة تكميل النفس، وفيه تعريض بالمداهنين الصادين عن سبيل الله تعالى”(10).

وقوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران:114] لما ذكر فعلهم للخير ذكر نشاطهم في جميع أنواعه، فقال: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾.

قال الرازي: “قوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ فيه وجهان:

أحدهما: أنهم يتبادرون إليها خوف الفوت بالموت.

والآخر: يعملونها غير متثاقلين، فإن قيل: أليس أن العجلة مذمومة، قال -عليه الصلاة والسلام-: «العجلة من الشيطان، والتأني من الرحمن»(11), فما الفرق بين السرعة وبين العجلة؟

قلنا: السرعة مخصوصة بأن يقدم ما ينبغي تقديمه، والعجلة مخصوصة بأن يقدم ما لا ينبغي تقديمه، فالمسارعة مخصوصة بفرط الرغبة فيما يتعلق بالدين؛ لأن من رغب في الأمر آثر الفور على التراخي، قال تعالى: ﴿وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران:133], وأيضاً العجلة ليست مذمومة على الإطلاق، بدليل قوله تعالى: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه:84]”(12).

وقال الألوسي في قوله: ﴿وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [آل عمران:114]: “أي: يبادرون إلى فعل الخيرات والطاعات خوف الفوات بالموت مثلاً، أو يعملون الأعمال الصالحة راغبين فيها غير متثاقلين؛ لعلمهم بجلالة موقعها، وحسن عاقبتها، وهذه صفة جامعة لفنون الفضائل والفواضل، وفي ذكرها تعريض بتباطؤ اليهود وتثاقلهم عن ذلك، وأصل المسارعة المبادرة، وتستعمل بمعنى الرغبة، واختيار صيغة المفاعلة للمبالغة، وقيل: لم يعبر بالعجلة للفرق بينها وبين السرعة، فإن السرعة التقدم فيما يجوز أن يتقدم فيه، وهي محمودة، وضدها الإبطاء، وهو مذموم، والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه، وهي مذمومة، وضدها الأناة، وهي محمودة.

وإيثار (في) على (إلى) وكثيراً ما تتعدى المسارعة بها للإيذان، كما قال شيخ الإسلام: بأنهم مستقرون في أصل الخير، متقلبون في فنونه، لا أنهم خارجون (عنها) منتهون إليها؛ وصيغة جمع القلة هنا تغني عن جمع الكثرة، كما لا يخفى”(13).

وقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:114]: “هذه إشارة إلى من جمع هذه الصفات الست، أي: الموصوفون بهذه الصفات من جملة الصالحين، الذين صلحت أحوالهم عند الله ورضيهم، وهذا غاية المدح من وجهين:

الأول: أن الله مدح بهذه الصفة أكابر الأنبياء، فقال بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل وغيرهم: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:86]، وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:4].

الثاني: أن الصلاح ضِدُّ الفساد، فكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، وإذا كان كذلك كان كل ما ينبغي أن يكون صلاحاً فكان الصَّلاحُ دالاًّ على أكمل الدرجات.

ويجوز في (مِنْ) أن تكونَ للتبعيض، وهو الظاهر، وَجَعَلها ابن عطية لبيانِ الجنسِ، وفيه نظرٌ، إذ لم يتقدَّمْ مبهمٌ فتبيِّنْه هذه”(14).

والظاهر أن في الوصف بالصلاح زيادة على الوصف بالإسلام؛ ولذلك سأل هذه الرتبة بعض الأنبياء، فقال تعالى حكاية عن سليمان -على نبينا وعليه أفضل الصلاة وأتم التسليم-: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾[النمل:19].

وقال تعالى في حق إبراهيم -عليه السلام-: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [البقرة:130].

وقال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ﴾ [الأنبياء:72].

وقال تعالى: ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِدْرِيسَ وَذَا الْكِفْلِ كُلٌّ مِّنَ الصَّابِرِينَ * وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾[الأنبياء:85-86].

وقال سبحانه: ﴿وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء:69].

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- في الآية دليل على أن من خصال الصالحين هذه الصفات التي ذكرت في الآية، ومنها: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، فمن لم يأمر بالمعروف، ولم ينه عن المنكر، فلا يستحق هذا الوصف، ودلت الآية الكريمة على عدم صلاحهم بمجرد الإيمان.

قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله-: “فلم يشهد لهم بالصلاح بمجرد الإيمان بالله، واليوم الآخر، حتى أضاف عليه الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر”(15).

وقال الرازي: “قوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:114], والمعنى: وأولئك الموصوفون بما وصفوا به من جملة الصالحين الذين صلحت أحوالهم عند الله تعالى ورضيهم، واعلم أن الوصف بذلك غاية المدح، ويدل عليه القرآن والمعقول.

أما القرآن: فهو أن الله تعالى مدح بهذا الوصف أكابر الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام-, فقال بعد ذكر إسماعيل وإدريس وذي الكفل.. وغيرهم: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُم مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ [الأنبياء:86].

وذكر حكاية عن سليمان -عليه السلام- أنه قال: ﴿وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل:19].

وقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التحريم:4].

وأما المعقول: فهو أن الصلاح ضد الفساد، وكل ما لا ينبغي أن يكون فهو فساد، سواء كان ذلك في العقائد، أو في الأعمال، فإذا كان كل ما حصل من باب ما ينبغي أن يكون، فقد حصل الصلاح، فكان الصلاح دالاً على أكمل الدرجات”(16).

وقال الألوسي عن الضمير ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:114]: “أي: من عداد الذين صلحت عند الله تعالى حالهم، وهذا رد لقول اليهود: ما آمن به إلا شرارنا، وقد ذهب الجل إلى أن في الآية استغناءً بذكر أحد الفريقين عن الآخر، على عادة العرب من الاكتفاء بذكر أحد الضدين عن الآخر، والمراد: ومنهم من ليسوا كذلك”(17).

2- وفيها: أنه ينبغي على المسلم أن يتصف بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر؛ حتى ينتظم فيمن عناهم الله تعالى بقوله: ﴿وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:114] وعبر بـ(أولئك) للدلالة على علو الرتبة, والله أعلم.

3- “وفى التعبير بقوله: ﴿مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ إشارة إلى أنهم بهذه المزايا، وتلك الصفات -التي منها الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر- قد انسلخوا من عداد أهل الكتاب الذين ذمهم الله تعالى، ووصفهم بأن أكثرهم من الفاسقين، فهم بسبب إيمانهم وأفعالهم الحميدة قد خرجوا من صفوف المذمومين إلى صفوف الممدوحين”(18).

4- وفيها: فضل المسابقة في الخيرات، والمبادرة إلى الصالحات.

5- وفيها: فضل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

6- وفيها: فضيلة الكتابي إذا أسلم وحسن إسلامه، وفي الصحيحين يقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه، وأدرك النبي -صلى الله عليه وسلم- فآمن به واتبعه وصدقه فله أجران»(19)… الحديث.

______________________________________

(1) تفسير السعدي ج (1) (ص:972).

(2) روح المعاني (4/ 33).

(3) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح ج (1) (ص:264-265).

(4) انظر: تفسير ابن كثير (1/ 397).

(5) القرآن منهاج حياة (3/ 89).

(6) تفسير القرطبي ج (4) (ص:175).

(7) أخرجه أحمد (1/ 396).

(8) تفسير ابن كثير ج (2) (ص:105).

(9) مفاتيح الغيب ح (8) (ص:166).

(10) روح المعاني ح (4) (ص:34-35).

(11) أخرجه البيهقي في شعب الإيمان ج (4) (ص:89-4367) عن أنس بلفظ: «التأني من الله والعجلة من الشيطان», وحسنه الألباني في صحيح الجامع, انظر حديث رقم: (3011).

(12) مفاتيح الغيب ح (8) (ص:166).

(13) روح المعاني ح (4) (ص:34-35).

(14) اللباب في علوم الكتاب ج (4) (ص:285).

(15) إحياء علوم الدين (2/ 307).

(16) مفاتيح الغيب ح (8) (ص:166-167).

(17) روح المعاني ح (4) (ص:34-35).

(18) الوسيط لسيد طنطاوي ج (1) (ص:712).

(19) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد والسير، باب فضل من أسلم من أهل الكتابين ج (3) (ص:1096-2849), ومسلم في الإيمان، باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- إلى جميع الناس, ونسخ الملل بملته ج (1) (ص:93-404).

 

Leave a comment

Your email address will not be published.

*