الوقفة السابعة: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر صفة النبي صلى الله عليه وسلم في الكتب السابقة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة السابعة مع آيات الحسبة في القرآن الكريم.

الآية السابعة: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:157].

هذه الآية جاءت في بيان سمت النبي -صلى الله عليه وسلم- وصفته في الكتب السابقة، وصفته هي في سيرته الحية الناطقة، فمن أوصافه: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولا شك أن المعروف أهمه التوحيد، وقد قام به خير قيام، فبدأ بالدعوة إليه، فينبغي أن يبدأ المسلم بالأمر به، والمنكر أهمه الشرك، فيبدأ بالنهي عنه.

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: “هذه صفة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في الكتب المتقدمة، وهكذا كان حاله -عليه الصلاة والسلام-، لا يأمر إلا بخير، ولا ينهى إلا عن شر… ومن أهم ذلك وأعظمه ما بعثه الله به من الأمر بعبادة الله وحده، لا شريك له، والنهي عن عبادة من سواه، كما أرسل به جميع الرسل قبله”(1).

وكما هي صفته -صلى الله عليه وسلم- هنا في قوله سبحانه: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾[الأعراف:157] هي أيضاً صفة أمته، كما في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [التوبة:71].

إذًا: فصفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أبرز الصفات التي يتميز بها النبي الأمي الذي أرسله الله رحمةً للعالمين، وبها يعرفه المؤمنون من أهل الكتاب، وباتباعهم له تكتب لهم الرحمة والرضوان، إلا أنه ومع هذه الأوصاف العظيمة التي كانوا يعرفونها مكتوبة عندهم في التوراة والإنجيل، ومعلومة لبني إسرائيل فقد أنكروا نبوته -صلى الله عليه وسلم-، وكتموا ما علموه، ولا أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله؛ وإن كان المشرك أظلم الظالمين، إلا أن اسم التفضيل يختص بالشيء المعين الذي يشترك فيه المفضل، والمفضل عليه.

يقول ابن القيم -رحمه الله-: “من أعلام نبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- أنه يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث… وإنما المدح والثناء والعلم الدال على نبوته أن ما يأمر به تشهد العقول الصحيحة حسنه، وكونه معروفاً، وما ينهى عنه تشهد قبحه، وكونه منكراً، وما يحله تشهد كونه طيباً، وما يحرمه تشهد كونه خبيثاً، وهذه دعوة جميع الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-، وهي بخلاف دعوة المتغلبين المبطلين والكذابين والسحرة، فإنهم يدعون إلى ما يوافق أهواءهم وأغراضهم من كل قبيح ومنكر وبغي وإثم وظلم(2).

وفي هذه الآية بيان لكمال رسالته -صلى الله عليه وسلم-، فإنه هو الذي أمر الله على لسانه بكل معروف، ونهى عن كل منكر، وأحل كل طيب، وحرم كل خبيث؛ ولهذا روي عنه أنه قال: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق»(3).

وقال في الحديث المتفق عليه: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى بنياناً فأحسنه وأجمله، فجعل الناس يطوفون به، ويقولون: ما رأينا بنياناً أحسن من هذا، إلا هذه اللبنة، فكنت أنا تلك اللبنة»(4)، فبالنبي -صلى الله عليه وسلم- كمل دين الله المتضمن للأمر بكل معروف، والنهي عن كل منكر، وإحلال كل طيب، وتحريم كل خبيث.

وأما من قبله من الرسل فقد كان يحرم على أممهم بعض الطيبات، كما قال: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء:160], وربما لم يحرم عليهم جميع الخبائث، كما قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران:93].

وتحريم الخبائث يندرج في معنى النهي عن المنكر، كما أن إحلال الطيبات يندرج في الأمر بالمعروف؛ لأن تحريم الطيبات مما نهى الله عنه، وكذلك الأمر بجميع المعروف، والنهي عن كل منكر مما لم يتم إلا للرسول -صلى الله عليه وسلم-، الذي تمم الله به مكارم الأخلاق المندرجة في المعروف، وقد قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [المائدة:3]، فقد أكمل الله لنا الدين، وأتم علينا النعمة، ورضي لنا الإسلام ديناً(5).

وأثبتت هذه الآية أيضاً أن الكتب القديمة فيها بشارات بنبينا -صلى الله عليه وسلم-، كما أنه قد ذكر باسمه على لسان المسيح -عليه السلام-، كما قال تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:6], ذكر أيضاً بوصفه، كما قال هنا: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157], ففي الآية الأولى: ذكر اسمه، وفي الآية الثانية: ذكر وصفه ووصف شريعته.

وفي قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من الموصول الأول بدل الكل، أو منصوب على المدح، أو مرفوع عليه، أي: أعني الذين، أو هم الذين.

وقوله: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ ﴿الرَّسُولَ﴾ أي: الذي أرسل إلى الخلائق لتكميلهم، فالرسول في القرآن الكريم هو المرسل من الله تعالى لخلقه لتبليغ شريعته، وبيان التكليف الذي كلف الناس إياه، و﴿النَّبِيَّ﴾ أي: الذي نبئ بأكمل الاعتقادات، والأعمال والأخلاق والأحوال والمقامات من جهة الوحي.

وهذا من النكت في هذه الآية أنها جمعت بين هذين الوصفين ﴿الرَّسُولَ﴾ و﴿النَّبِيَّ﴾ فلماذا جُمع بينهما؟

قيل: إنه من باب ذكر الملزوم واللازم؛ فإن الرسالة تلزمها النبوة في المعنى القرآني؛ لأنه لا يعد رسولاً إلا إذا كانت نبوة عن الله، وقد تلقى العلم عن الله -جل جلاله- بوحي، أو يكلمه من وراء حجاب، أو يرسل رسولاً، وذكرها -أي: وصف الرسالة والنبوة- مع هذا التلازم فيه إشارة إلى التبليغ إلى أنه ينبأ من الله تعالى.

وقيل: “إنما سماه (رسولاً) بالإضافة إلى الله تعالى، و(نبياً) بالإضافة إلى العباد” قاله البيضاوي.. وغيره(6).

وقيل: لتؤكد لأهل الكتاب الذين كان الحديث قبل هذه الآية فيهم أن محمداً -صلى الله عليه وسلم- هو نبي رسول كموسى -عليه السلام-، وهم يعلمون جيداً في الفرق بينهما أن الرسول يأتي بشريعة جديدة يلزم اتباعها؛ لما تحويه من شرائع، ربما لم تكن في التي قبلها، أو كانت لكن تغيرت صفتها على ما هو معروف من سنة النسخ بين الشرائع.

وهم يعلمون أيضاً أن النبي المجرد عن الرسالة هو عادة يأتي مذكِراً، ومؤيداً شريعة الرسول قبله، وهو كذلك.

فمن جهة كونه نبياً قد جاء مؤيداً لمن قبله، مهيمناً على دعواتهم، مؤكداً على صدق ما جاءوا به.

ومن جهة كونه رسولاً قد جاءهم برسالة جديدة تتفق مع ما قبلها في الأصول، وربما تختلف عنها في الصفات والفروع، أي: في الشرائع، وعلى هذا فمجموع الصفتين حجة عليهم في لزوم اتباعه -صلى الله عليه وسلم-؛ لكونه قد تحقق فيه ما يعرفونه من صفات النبوة والرسالة، وإن شاءوا فليختبروا ذلك فيه، وهم يعرفون من كتبهم ما يدلهم على الحق فيه بلا امتراء.

قال ابن عاشور -رحمه الله-: “ومن نكت القرآن الجمع في هذه الآية بين وصفي النبوة والرسالة؛ للإشارة إلى أن اليهود بدلوا وصف الرسول، وعبروا عنه بالنبي ليصدق على أنبياء بني إسرائيل(7).

وغفلوا عن مفاد قوله –أي: في نص سفر التثنية-: “مثلك” –أي: في الرسالة-, وحذفوا وصف الأمي…(8).

وفي قوله تعالى: ﴿الأُمِّيَّ﴾ قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: “احترازاً عن سائر الأنبياء؛ فإن المقصود بهذا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، والسياق في أحوال بني إسرائيل، وأن الإيمان بالنبي محمد شرطٌ في دخولهم الإيمان، وأن المؤمنين به المتبعين هم أهل الرحمة المطلقة التي كتبها الله لهم”(9).

وفي قوله: ﴿الأُمِّيَّ﴾ أيضاً مدح له -عليه الصلاة والسلام-، ومعنى ﴿الأُمِّيَّ﴾: الذي لا يقرأ ولا يكتب، ولا عرف أخبار الأمم السالفة، فيؤمن من جهته أن يقرأ الكتب، وينقل إليهم أخبار الماضين، ولكن مُتبع لما يوحى إليه.

ولقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- أمياً لا يقرأ ولا يكتب؛ لتكون الحجة عليهم قاطعة بنزول القرآن الذي فيه علم الأولين والآخرين، وهو لا يمكن أن يكون من أمي قط؛ ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت:48].

ولقد حاول الذين لا يرجون للإسلام وقاراً أن يكذبوا فيدعوا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يعرف القراءة والكتابة؛ ليشككوا في القرآن، وقد حاول بعض المتحذلقين من المسلمين أن يقول في هذه المقالة الكاذبة، فردهم القرآن الكريم رداً عنيفاً؛ لأنهم يسايرون الكفار الكذابين(10).

والأمي وصف مدح للنبي -صلى الله عليه وسلم-، فإن قال قائل: إن الله سبحانه وتعالى امتن علينا بتعليمنا البيان بالقلم، كما امتن على عيسى -صلى الله عليه وسلم- بقوله: ﴿إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ﴾ [المائدة:110], فإذا كانت هذه نعماً فسؤال يطرح: لِم لم يعلمها رسولنا محمد -صلى الله عليه وسلم-؟ بل قال الله في شأنه: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:157]؟! بمعنى: لماذا لم يمتن الله على نبيه محمد -عليه الصلاة والسلام- بتعليمه البيان بالقلم؟!

والعلة من ذلك -والله أعلم- ظهرت في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ﴾ [العنكبوت:48-49].

فالرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يتعلم البيان بالقلم لعلة وهي: دفع الشكوك عن الذين كانوا يزعمون أن بشراً يعلم رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كما نص على ذلك في كتاب الله بقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ [النحل:103](11).

وما جاء في معنى الأمي: أنه نسبة إلى الأم, أي: أنه جاء في العلم والكتابة كما ولدته أمه، أو نسبة إلى أمه، ذلك أن العرب لم يكونوا أهل علم وكتاب، فلم تغلب عليهم العلوم والكتابة، وإن كان فيهم من يعرفون الكتابة وبعض العلوم؛ ولذا كان يطلق عليهم الأميون، وذكر القرآن الكريم ذلك الوصف لهم، فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ﴾ [الجمعة:2].

وقد نُقل أن معنى الأمي: أنه أم الموجودات، وأصل المكونات، ولا يصح هذا.

وقوله: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:157], أي: باسمه محمد وأحمد، ونعوته.

و﴿عِندَهُمْ﴾ زيدت لزيادة التقرير، وأن شأنه -عليه الصلاة والسلام- حاضر عندهم، لا يغيب عنهم أصلاً.

وهذه الجملة المتضمنة هاتين الصفتين يمكن أن تكون مستأنفة، ويمكن أن تكون تفسيرية(12), أي: لقوله: ﴿مَكْتُوبًا﴾بأن تكون بياناً وتفسيراً لما هو مكتوب في التوراة، وأن من صفاته في التوراة أنه ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف:157].

ففي قوله: ﴿الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ﴾ [الأعراف:157] أوصاف ثلاثة، ووصف رابع ذكره الله تعالى بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف:157], وهذا الوصف يدل على أمر بالنص، وهو أنهم يجدون النبي -صلى الله عليه وسلم- مذكوراً مكتوباً في التوراة والإنجيل، وهو يدل أيضاً على أمرين آخرين:

أولهما: وحدة الديانات السماوية، فهي تدعو إلى دين واحد، قد تتغاير بعض الفروع، ولكن الأصل واحد، كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾[الشورى:13].

وثانيهما: أن اليهود والنصارى قد حرفوا القول عن مواضعه، وغيروا وبدلوا، ولا يزالون يغيرون، ويبدلون على حسب أهوائهم، وقد ظهرت في مصر طبعة لـــــــ(إنجيل متى) فيها تغيير عن سوابقها، ولا تكاد تجد نسخة مكتوبة في مصر تتلاقى في كل أجزائها مع التي جاءت من بعد، يغيرون لفظاً بدل لفظ، ويزيدون قيداً أو شرطاً، ولا يلمح ذلك القارئ العادي بادئ ذي بدء حتى يخفى ذلك على عامتهم، بل بعض خاصتهم.

ولقد ذُكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالاسم، وذُكر بالوصف، فغيروا الاسم، وأحاطوه بما يجعله مبهماً مع ملاحظة اختلاف اللغة العربية على اللغة العبرية، ولكن الأوصاف لم يستطيعوا تغيير كثير منها، وهم يحاولون التغيير(13).

قال الماوردي في (إعلام النبوة) في الباب الخامس عشر: في بشائر الأنبياء بنبوته -عليه الصلاة والسلام-: “فكان أنبياء الله تعالى معانين على تأسيس النبوّة بما تقدمه من بشائرها وتبديه من أعلامها وشعائرها؛ ليكون السابق مبشرًا ونذيرًا, واللاحق مصدقًا وظهيرًا, فتدوم بهم طاعة الخلق, وينتظم بهم استمرار الحق, وقد تقدمت بشائر من سلف من الأنبياء بنبوّة محمد -صلى الله عليه وسلم- مما هو حجة على أممهم ومعجزة تدل على صدقه عند غيرهم بما أطلعه الله تعالى على غيبه؛ ليكون عونًا للرسول, وحثًا على القبول… فمنهم من عيّنه باسمه، ومنهم من ذكره بصفته، ومنهم من عزاه إلى قومه، ومنهم من أضافه إلى بلده، ومنهم من خصه بأفعاله، ومنهم من ميزه بظهوره وانتشاره، وقد حقق الله تعالى جميعها فيه، حتى صار جليًا بعد الاحتمال، ويقينًا بعد الارتياب”(14).

ثم سرد الماوردي البشائر من نصوص كتبهم.

وجاء في (منية الأذكياء في قصص الأنبياء) ما نصه: “إن نبينا -عليه الصلاة والسلام- قد بشرت به الأنبياء السالفون، وشهدوا بصدق نبوته، ووصفوه وصفاً رفع كل احتمال، حيث صرحت باسمه وبلده وجنسه وحليته وأطواره وسمته. غير أن أهل الكتاب حذفوا اسمه -يعني من نسخهم الأخيرة-، إلا أن ذلك لم يجدهم نفعاً، لقاء الصفات التي اتفق عليها المؤرخون من كل جنس وملة، وهي أظهر دلالة من الاسم على المسمى؛ إذ قد يشترك اثنان في اسم، ويمتنع اشتراك اثنين في جميع الأوصاف، لكن من أمد غير بعيد قد شرعوا في تحريف بعض الصفات؛ ليبعد صدقها على النبي -عليه الصلاة والسلام-، فترى كل نسخة متأخرة تختلف عما قبلها في بعض المواضع اختلافاً لا يخفى على اللبيب أمره، ولا ما قصد به، ولم يفدهم ذلك غير تقوية الشبهة عليهم لانتشار النسخ بالطبع، وتيسر المقابلة بينها(15).

وفي قوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف:157], هذا هو الوصف الخامس، وهو القيام بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وهي وظيفة الرسل وخاتمهم نبينا -صلى الله عليه وسلم-، بل هي أول وظيفة ذكرت هنا، وأول وصف وصفه الله به في الكتب السابقة: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157].

فكفى بهذه الشعيرة رتبة أنها صفة، بل مهمة أفضل خلق الله ألا وهم الأنبياء والمرسلون، قال الله في وصف إمامهم محمد -صلى الله عليه وسلم-: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ [الأعراف:157].

وقال الله في شأن نبيه إسماعيل -عليه السلام-: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا﴾ [مريم:55].

وما من نبي إلا قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف:59].

وقوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157]، هذه الآية دلت بمنطوقها على تحريم كل خبيث، وتحليل كل طيب.

والطيبات هي الأمور المستحسنة في ذاتها، من أطعمة طيبة مريئة، هنيئة، لا تفسد الأجسام، ولا تضر العقول، ولباس حسن من غير إسراف ولا مخيلة؛ وذات طيبة في حدود الخلق والمروءة، وتصرفات طيبة لا اعتداء فيها، ولا نكث وخيانة.. وغير ذلك مما هو طيب في ذاته، وحصل عليه بطريق طيب أحله الله تعالى، ولا اعتداء فيه ولا اغتصاب.

﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157], وهي الأشياء الخبيثة في ذاتها التي تضر الأجسام: كالخنزير, والميتة, والدم المسفوح، أو تضر العقول: كالخمر، أو تلقي بالعداوة بين الناس: كالميسر, والبغضاء، أو الاعتداء على حق غيره بالسرقة والاغتصاب أو القتل، فكل هذه خبائث تدخل في باب الفحشاء والمنكر والبغي، وكذلك أكل أموال الناس بالباطل: كالربا.. ونحوه(16).

وقيل: الطيبات هي المستلذات(17)، وهو ضعيف؛ لأن اللذاذة وحدها لا تصلح علة للتحليل أو التحريم، لكن تُعُقَّب هذا المعنى من قبل بعض المفسرين(18) بأنه لا فائدة في أن يقال: يحل لهم المحللات، ويحرم عليهم المحرمات، والجواب: أن فائدته بيان أن الحل والحرمة بحكم الشرع لا بالعقل والرأي(19).

لكن لا يفهم من هذا أن الشرع في تحليله وتحريمه يتناقض مع العقل، بل إن ما أباحه الشرع هو مستحسن في حكم العقل أيضاً، وما حرمه هو مستقبح فيه، فيكون قد وافق حكمُ العقل ما حكم به الشرع؛ لأنه معلوم أنه لا تناقض مطلقاً بين قطعي كل من العقل والنقل، وعلى هذا فلا تعارض بين أن تكون هذه المحللات طيبة في حكم العقل قبل إقرار الشرع لها، والمحرمات خبيثة في حكم العقل قبل ورود الشرع بتحريمها.

وهذه المسألة قد جلاها ابن القيم ووضحها أيما توضيح، حيث قال تعليقاً على قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157]: “فهذا صريح في أن الحلال كان طيباً قبل حله، وأن الخبيث كان خبيثاً قبل تحريمه، ولم يستفد طيب هذا وخبث هذا من نفس التحليل والتحريم لوجهين اثنين:

أحدهما: أن هذا علم من أعلام نبوته التي احتج الله بها على أهل الكتاب، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ [الأعراف:157]، فلو كان الطيب والخبيث إنما استفيد من التحريم والتحليل لم يكن في ذلك دليل، فإنه بمنزلة أن يقال: يحل لهم ما يحل، ويحرم عليهم ما يحرم، وهذا أيضاً باطل فإنه لا فائدة فيه، وهو الوجه الثاني، فثبت أنه أحل ما هو طيب في نفسه قبل الحل، فكساه بإحلاله طيباً آخر، فصار منشأ طيبه من الوجهين معاً.

فتأمل هذا الموضع حق التأمل يطلعك على أسرار الشريعة، ويشرفك على محاسنها وكمالها وبهجتها وجلالها، وأنه من الممتنع في حكمة أحكم الحاكمين أن ترد بخلاف ما وردت به، وأن الله تعالى منزه عن ذلك، كما يتنزه عن سائر ما لا يليق به”(20).

وقيل في معناه: “يحلّ لهم ما حرّم عليهم من الأشياء التي حرّمت عليهم بسبب ذنوبهم”(21).

وفي قوله: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157] دلالة على أن التحريم إنما يكون لله ورسوله، قال الشافعي -رحمه الله-: “أصل التحريم نص كتاب أو سنة، أو جملة كتاب أو سنة أو إجماع، قال الله تبارك وتعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157].

وقال -عز وجل-: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ﴾ [المائدة:4]… الآية(22).

وفي قوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157] فيه من المحسنات البديعية ما يسمى بالمقابلة، وهي أن يؤتى بمعنيين أو أكثر، ثم يؤتى بما يقابلها على الترتيب.

والمقابلة إما لواحد بواحد؛ وذلك قليل جداً؛ كقوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة:255].

أو اثنين باثنين؛ كقوله: ﴿فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا﴾ [التوبة:82].

أو ثلاثة بثلاثة؛ كقوله: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾[الأعراف:157].

﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة:152].

وأربعة بأربعة؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى﴾ [الليل:5]… الآيتين.

وخمسة بخمسة، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لاَ يَسْتَحْيِي أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً﴾ [البقرة:26]… الآيات، قابل بين: ﴿بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة:26] وبين ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ﴾ و﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾, وبين ﴿يُضِلُّ﴾ ﴿وَيَهْدِي﴾, وبين ﴿يَنقُضُونَ﴾البقرة:27] و ﴿مِيثَاقِهِ﴾, وبين ﴿وَيَقْطَعُونَ﴾ و﴿أَن يُوصَلَ﴾.

أو ستة بستة؛ كقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران:14]… الآية، ثم قال: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ﴾ [آل عمران:15]… الآية، قابل الجنات والأنهار والخلد والأزواج والتطهير والرضوان بإزاء النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث.

وقسم بعضهم المقابلة إلى ثلاثة: أنواع نظيري، ونقيضي، وخلافي.

مثال الأول: مقابلة السِنَة بالنوم في الآية الأولى، فإنهما جميعاً من باب الرقاد المقابل باليقظة في آية: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾ [الكهف:18], وهذا مثال الثاني: فإنهما نقيضان، ومثال الثالث: مقابلة الشر بالرشد في قوله: ﴿وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا﴾ [الجن:10] فإنهما خلافان لا نقيضان، فإن نقيض الشر الخير، والرشد الغي.

وقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف:157] الإصر: العهد الثقيل، والتكاليف الثقيلة التي تخرج مشقتها عن المعتاد، أي: ما عهد عليهم من عهد ثقيل، فلم تكن تكليفاتهم يسيرة، بل كان فيها شدة، وكان فيهم غلظة في طباعهم، وقسوة في نفوسهم، فكان تشديد التكليف عليهم تهذيباً لهم، وكفاً لشره في نفوسهم، فكان لا بد من فطمهم عن بعض الطيبات، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا﴾ [النساء:160] أي: هي في أصلها حلال، وقال تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُم بِبَغْيِهِمْ وِإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾ [الأنعام:146].

فكان فيما سبق من الشرائع تكاليف كثيرة فيها مشاق عظيمة، فخفف تلك المشاق لمحمد -صلى الله عليه وسلم-، ومن هذه المشاق:

1- في البول، كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه، فخفف الله ذلك عن هذه الأمة بالغسل بالماء، روى مسلم عن أبي وائل، قال: «كان أبو موسى يشدد في البول، ويبول في قارورة، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب جلد أحدهم بول قرضه بالمقاريض، فقال حذيفة: لوددت أن صاحبكم لا يشدد هذا التشديد، لقد رأيتني أنا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- نتماشى، فأتى سباطة خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم; فبال: فانتبذت منه، فأشار إلي، فجئت، فقمت عند عقبه حتى فرغ»(23).

2- ومن الإصر الذي وضع: إحلال الغنائم; وكانت حراماً على سائر الأمم.

3- ومنها: ألا تجالس الحائض ولا تؤاكل، فخفف الله ذلك، قال -صلى الله عليه وسلم-: «لتشد عليها إزارها، ثم شأنه بأعلاها»(24), في أعداد لأمثالها(25).

والأغلال: جمع غل، وهو ما يوضع في العنق في مخنقة ليثقل، ويوضع كذلك تقييداً لحركته، وإثقالاً عليه، والمراد هنا ما وضع من قيود في الحلال عليهم تهذيباً، كتحريم الصيد يوم السبت، ومنع بعض المحللات في ذاتها؛ ولكنها حرمت عليهم تربية لهم.

فتكون الأغلال مجازًا عن هذه القيود التي شدد الله بها على نفوسهم؛ لقمعها عن الإسراف في الشهوات، شُبهت هذه القيود بالأغلال الحسية؛ لأنها ثقيلة على النفوس المستقيمة؛ ولكنها علاج للنفوس المريضة السقيمة، وإن شريعة النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم- جاءت موائمة للفطرة السليمة، جاءت لليسر دون العسر، وكانت عزاء للإنسانية كلها, لا فرق بين أحمر وأسود، وهي الباقية ما بقى الإنسان.

قال ابن جرير في معنى الأغلال بعد أن ذكر عدة أقوال: “وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الإصر هو العهد… وأن معنى الكلام: ويضع النبيُّ الأميُّ -صلى الله عليه وسلم- العهدَ الذي كان الله أخذه على بني إسرائيل من إقامة التوراة، والعملِ بما فيها من الأعمال الشديدة، كقطع الجلد من البول، وتحريم الغنائم.. ونحو ذلك من الأعمال التي كانت عليهم مفروضةً، فنسخها حُكْم القرآن”(26).

فتكون إذن الأغلال غير الإصر؛ فهي مستعارة للعبودية التي كانوا عليها في الجاهلية، وهي عبودية الأصنام وسدنتها، وعبودية الملوك، وعبودية القادة أصحاب المرابيع(27).

ومما يزيد هذا بياناً قول عمر لعمرو بن العاص في قصة ولده: “متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً”(28).

استعار الإصر والأغلال للأحكام والتكاليف الشاقة من باب الاستعارة المكنية.

ومن هذه الأغلال التي كانت عليهم, والقيود التي وجب عليهم التزامها -كما ذكر ابن الجوزي-: “أنه كان عليهم ألا يُقبَل منهم في القتل دية، وألا يعملوا في السبت، وأن يَقْرِضُوا ما أصاب جلودهم من البول”(29), و “قد نسب ابن عطية القول بهذا إلى جمهور المفسرين”(30).

ومن القراءات في الآية: أن ابن عامر -وهو من القراء السبعة- قرأ: “آصارهم” بالجمع، وقرأ الجميع: بالإفراد.

قال أبو علي الفارسي في توجيه القراءتين: “الإصر مصدر يقع على الكثرة، مع إفراد لفظه يدل على ذلك إضافته، وهو مفرد إلى الكثرة، ولم يجمع كما قال سبحانه: ﴿وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ [البقرة:20], ومن جمع أراد ضروباً من العهود مختلفة، والمصادر قد تجمع إذا اختلفت ضروبها، كما في قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾[الأحزاب:10]”(31).

وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ [الأعراف:157]: “الفاء هنا للإفصاح عن شرط مقدر، يتضمن الكلام المتقدم فحواه، ومؤدى القول: إذا كان هذا النبي الأمي -صلى الله عليه وسلم- ينعم الله على يده عليكم تلك النعم، وهو قد جاء بالحق في ذاته، ورفع عنكم الآصار والأغلال فعزروه، أي: فوقروه وأيدوه”(32), أي: “امنعوه من أعدائه أن ينالوه بسوء، وأصلُه المنعُ، ومنه التعزير”(33).

وسمي التعزير بذلك؛ لأنه يمنع من معاودة القبيح واستمرائه.

وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾ [الأعراف:157] أي: أنزل من عند الله تعالى، ومصاحباً لدعوته، ومؤيداً لرسالته، وهو المعجزة الكبرى الخالدة وهو القرآن، والتعبير عنه بالنور فيه استعارة، فقد شبه بالنور؛ لأنه مبين للحقائق، مزيل للجهالات، دافع للأوهام، كما أن النور يزيل غياهب الظلام، واتباع القرآن اتباع لصراط الله المستقيم الذي لا عوج فيه، وهو الخلاصة الإلهية للرسالة الإلهية، وهو سجل النبوات جميعاً، فيه أحكامها، وأخبارها، ومعجزتها(34).

ولا يقال: القرآن أنزل مع جبريل فما معنى: ﴿أُنزِلَ مَعَهُ﴾؟

والجواب: أن المراد أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن، مشفوعاً به، ويجوز أن يعلق بـ ﴿وَاتَّبَعُواْ﴾، أي: واتبعوا القرآن المنزل مع اتباع النبي -صلى الله عليه وسلم-, والعمل بسنته، وبما أمر ونهى عنه، فيكون أمراً بالعلم بالكتاب والسنة، أو هو حال، أي: اتبعوا القرآن كما اتبعه، مصاحبين له في اتباعه.

وفي التعبير عن القرآن بالنور المنبئ عن كونه ظاهراً بنفسه لإعجازه، ومظهراً لغيره من الأحكام لمناسبة الاتباع، قال صاحب “الكشاف”: “فإن قلت: ما معنى قوله: ﴿أُنزِلَ مَعَهُ﴾ وإنما أنزل مع جبريل؟ قلت: أنزل مع نبوته؛ لأن استنباءه كان مصحوباً بالقرآن، مشفوعاً به”(35) انتهى.

فيكون ﴿مَعَهُ﴾ متعلق بـــ ﴿أُنزِلَ﴾ حال من ضميره، بتقدير المضاف، أي: أنزل ذلك النور مصاحباً لنبوته، وعبر عنه بالنور؛ لكونه يستضاء به في ظلمات الشك والجهالات، ويقتدى به إذا تعارضت المقالات(36).

وكذا قال الفخر الرازي: “فإن قيل: كيف يمكن حمل النور هاهنا على القرآن والقرآن ما أنزل مع محمد، وإنما أنزل مع جبريل؟ قلنا: معناه: أنه أنزل مع نبوته؛ لأن نبوته ظهرت مع ظهور القرآن”(37).

وقوله تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ [الأعراف:157] أي: المنعوتون بتلك النعوت الجلية، وقد أشار -سبحانه وتعالى- بالبعيد للدلالة على بعد الشرف، وعلو المنزلة.

﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:157] أي: الفائزون بالمطلوب، الناجون من المكروب، لا غيرهم من الأمم، وقد قصر الله تعالى الفلاح عليهم بتعريف الطرفين، وبضمير الفصل، أي: أنهم المفلحون، ولا يفلح سواهم، والقصر قصر حقيقي؛ إذ إنهم سلكوا الصراط المستقيم، ومن لم يسلك سبيل الله فقد سلك مسارات الشيطان، وهذا فرق ما بين الهدى والضلال.

فحكم الله سبحانه وتعالى هنا على الذين قاموا بهذه الصافات بأنهم الفائزون في الدنيا باتباع الحق، وأن حياتهم كلها فاضلة، وأن تكون حياتهم في الآخرة نعيماً مقيماً، ورضواناً من الله العزيز الحكيم، وهو أكبر الفوز العظيم؛ ولذا قال تعالى: ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:157].

وإذا كان ذلك طريق الفوز عند الله، وفي الحياة الدنيا والآخرة فإن الإنسانية كلها مخاطبة بها؛ ولذا قال تعالى آمراً نبيه -صلى الله عليه وسلم- بخطاب الناس كافة بهذه الشريعة السمحة البيضاء: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ [الأعراف:158].

والإشارة إلى الصفات يفيد أنها علة الحكم وسببه، أي: بسبب هذه الصفات ينالون الفلاح في الدنيا والآخرة؛ لأن الهداية والاستقامة فلاح لا يدركه إلا من استقامت إلى الحق نفوسهم.

فخرج بهذه الآية من الإسلام ومن أسباب الفلاح اليهود والنصارى والبوذيون وجميع المشركين؛ لأنهم لم يتصفوا بهذه الأوصاف التي وصف الله بها المفلحين، بل كلهم عاداه ولم ينصره، ولم يتبع النور الذي أنزل معه، ولم يأمر ولم ينه، إلا من هداه الله منهم فهو مع المسلمين الناجين.

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- فضيلة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتميزه بفضائل الصفات التي يمكن أن يكون عليها الكمال البشري، حتى صفة الأمية التي قد تعتبر في الأصل صفة نقص, إلا أنها في حقه -صلى الله عليه وسلم- كمال وشرف، وهي أحد أدلة إلهية القرآن.

2- الآية تدل أيضاً على وجوب تعظيم الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ونصره بالجهاد، ونصرته بنصرة دينه، وكل أمر يؤدي إلى توهين ما يتصل بذلك؛ لأن جميع ذلك من باب النصرة، وهذا لا يختص بعصره، فجميع ذلك لازم إلى انقضاء التكليف؛ ولعل الجهاد بالبيان، وإيراد الحجة، ووضع الكتب فيه، وحل شبه المخالفين، يزيد في كثير من الأوقات على الجهاد بالسيف(38).

وهو يؤكد على ضرورة الاحتساب في الدفاع عن هذا الدين، والتمكين له، ويبين ألا يقل, بل يزيد أحياناً على الجهاد بالسيف.

3- في الآية تعظيم وفضل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-، قال صاحب التحرير والتنوير: “في هذه الآية تنويه بعظيم فضل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- -رضي الله عنهم-، ويُلحق بهم من نصر دينه بعدهم”(39).

4- وفيها: فضيلة الأمة المحمدية، ومكانتها عند ربها، حتى إنه وصفها بأفضل الصفات، وكتب لها الرحمة، بما تقوم به من تقوى الله، وإيتاء الزكاة، والإيمان بآيات الله.. وغير ذلك مما أمرها الله به.

5- وفيها: تيسير الله -عز وجل- على هذه الأمة ورحمته بها، ومن مظاهر ذلك:

أنه فيما شرعه لها من أحكام راعى جانب التيسير والبعد عن المشقة، وأنه سبحانه لم يكلفها ما لا تطيق، وأنه تعالى قد وضع عنها الإصر والأغلال التي كانت على بني إسرائيل من قبلها، فشقت عليهم الشرائع، فتخلوا عنها, فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- ليضع عن أمة الإسلام الأحكام والتكاليف الشاقة التي يضعف عن حملها الإنسان، والتي كانت على بني إسرائيل من مثل: قتل النفس بالتوبة، وتحريم الغنائم، والله تعالى علّم المسلمين -كما في أواخر سورة البقرة- كيف يدعونه برفع الحرج عنهم، حين قال: ﴿لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة:286], وقد ورد في صحيح مسلم ما يدل على أن الله استجاب دعاءهم(40).

وقد قال -عز وجل-: ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه:1-2].

وقال: ﴿وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرَى﴾ [الأعلى:8], قال ابن كثير في تفسيره: “أي: نسهّل عليك أفعال الخير وأقواله، ونشرع لك شرعاً سمحاً مستقيماً عدلاً لا اعوجاج فيه، ولا حرج ولا عسر”(41).

6- فيها: فضيلة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن دلائل ذلك أنه صفة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-، وسنة سائر المرسلين، فالقيام به هو قيام بما كان يقوم به المرسلون، وفيهم نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-.

7- فيها: قيام الحجة على أهل الكتاب الذين عرفوا صفة النبي -صلى الله عليه وسلم- الكائنة في كتابهم، فأنكروها وحرفوها، وأبوا الإيمان به، مع تيقنهم صدقه؛ لما عاينوه من صفاته، وما اطلعوا عليه من حاله.

8- في قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ﴾ [الأعراف:157], قال الألوسي: “فُسِّر الأول بالأشياء التي يستطيبها الطبع: كالشحوم، والثاني بالأشياء التي يستخبثها: كالدم، فتكون الآية دالة على أن الأصل في كل ما تستطيبه النفس ويستلذه الطبع الحل، وفي كل ما تستخبثه النفس ويكرهه الطبع الحرمة إلا لدليل منفصل”(42).

وهذا القول متفرع على مسألة: هل الأصل في الأشياء الإباحة أو التحريم؟ وهي من المسائل التي اعتنى بها علم أصول الفقه.

قال الفخر الرازي: “هذه الآية تدل على أن الأصل في المضار ألا تكون مشروعة؛ لأن كل ما كان ضرراً كان إصراً وغلاً، وظاهر هذا النص يقتضي عدم المشروعية، وهذا نظير لقوله -عليه الصلاة والسلام-: «لا ضرر ولا ضرار»(43).

ولقوله -عليه الصلاة والسلام-: «بعثت بالحنيفية السمحة»(44), وهو أصل كبير في الشريعة”(45).

____________________________________

(1) تفسير ابن كثير ج (3) (ص:487).

(2) مدارج السالكين ج (1) (ص:235).

(3) أخرجه البخاري في (الأدب المفرد), رقم: (273)، وابن سعد في (الطبقات) (1/ 192)، والحاكم (2/ 613)، وأحمد (2/ 318)، وابن عساكر في (تاريخ دمشق) (6/ 267/ 1) من طريق ابن عجلان عن القعقاع بن حكيم عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً, وقال الألباني: وهذا إسناد حسن، وقال الحاكم: “صحيح على شرط مسلم”، ووافقه الذهبي! انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة وشيء من فقهها وفوائدها (1/ 112).

(4) أخرجه البخاري في كتاب المناقب، باب خاتم النبيين -صلى الله عليه وسلم- (4/ 186-3535), ومسلم في كتاب الفضائل، باب ذكر كونه -صلى الله عليه وسلم- خاتم النبيين (4/ 1790-20) (2286).

(5) مجموع الفتاوى (مجمع الملك فهد) (1/ 3).

(6) تفسير البيضاوي – أنوار التنزيل وأسرار التأويل (3/ 37).

(7) اليهود يقولون: إن هذا النبي المتحدث عنه في نص سفر التثنية هو “صمويل”, لكن يرد عيلهم بالنص الذي يعتقدونه, وهو نص سفر التثنية المذكور, وفيه: أنه نبي “مثلك” أي: رسول مثلك, واليهود يعرفون أن صمويل كان نبياً وليس رسولاً، والأمر الآخر: أن النص يقول: “من وسط إخوتهم” ولم يقل: منهم, فخرج بذلك صمويل؛ لأنه منهم، وظهر أن بني إخوتهم، هم أبناء إسماعيل -عليه السلام-، وعليه يكون النبي المبشر به هو محمد -صلى الله عليه وسلم-.

(8) التحرير والتنوير (9/ 132).

(9) تفسير السعدي تيسير الكريم الرحمن (ص:268).

(10) زهرة التفاسير (1/ 2970).

(11) سلسلة التفسير لمصطفى العدوي (45/ 4).

(12) ينظر: تفسير الألوسي (9/ 81), وتفسير المنار (9/ 196).

(13) زهرة التفاسير (1/ 2970) بتصرف.

(14) أعلام النبوة ج (1) (ص:171).

(15) محاسن التأويل (تفسير القاسمي) بتصرف.

(16) انظر: زهرة التفاسير (1/ 2972).

(17) فتح القدير (2/ 360).

(18) ينظر: الفخر الرازي (15/ 27)، وتفسير المنار.

(19) تفسير الألوسي (9/ 81).

(20) التفسير القيم (ص:279) جمعه محمد أويس الندوي، والأصل في كتاب: “مفتاح دار السعادة” لابن القيم (2/ 6-7).

(21) فتح القدير (2/ 360).

(22) تفسير الإمام الشافعي (2/ 854).

(23) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب البول عند صاحبه، والتستر بالحائط (1/ 55-225) ومسلم في كتاب الطهارة، باب المسح على الخفين (1/ 228-74) (273).

(24) انظر: أحكام القرآن لابن العربي (3/ 488).

(25) أحكام القرآن لابن العربي ج (4) (ص:25).

(26) تفسير الطبري (13/ 168).

(27) المرابيع: جمع مرباع، وهو ربع الغنيمة كان يأخذه سيد القبيلة حين يُغير بها.

(28) كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال ج (12) (ص:660-36010).

(29) زاد المسير (3/ 274).

(30) تفسير ابن عطية (2/ 464).

(31) ينظر الحجة للقراء السبعة لأبي علي الفارسي (4/ 94), تحقيق بدر الدين قهوجي، وبشير جويجابي- نشر دار المأمون للتراث.

(32) زهرة التفاسير (1/ 2973).

(33) تفسير أبي السعود (3/ 280).

(34) زهرة التفاسير (1/ 2974).

(35) الكشاف ج (2) (ص:297).

(36) تفسير السعدي ج (1) (ص:305).

(37) تفسير الفخر الرازي (15/ 28).

(38) انظر: محاسن التأويل للقاسمي (8/ 2882).

(39) تفسير التحرير والتنوير (9/ 139).

(40) أخرجه مسلم في الإيمان، باب قوله تعالى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ [البقرة:284] ج (1) (ص:81-345).

(41) تفسير ابن كثير ج (8) (ص:380).

(42) روح المعني للألوسي (9/ 81).

(43) أخرجه ابن ماجه في كتاب الأحكام، باب من بنى في ما يضر بجاره (2340), وأحمد (5/ 326-327), ومالك في الموطأ في كتاب الأقضية، باب القضاء في المرفق, وبرقم: (31), وصححه الألباني في إرواء الغليل ج (1) (ص:528-2653).

(44) أخرجه أحمد (6/ 116), رقم: (24899), وصححه الألباني في الصحيحة (2924).

(45) تفسير الفخر الرازي (15/ 28).

 

 

Leave a comment

Your email address will not be published.

*