الوقفة السادسة: تحذير الأمة من ترك فريضة الحسبة فتلعن كما لعن بنو إسرائيل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة السادسة مع آيات الحسبة في القرآن الكريم.

الآية السادسة: قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ * كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:78-79]

في هاتين الآيتين بيان أن بني إسرائيل كانوا يرون المنكر ويسكتون عن إنكاره، فسبَّب ذلك السكوت لهم اللعنة، وبناء عليه لا يجوز لمن رأى منكراً أن يسكت عنه مع قدرته على إنكاره وتغييره، فيبدأ بالتغيير باليد إن كان يستطيع ذلك، كأن يكون مسئولاً عن فاعل المنكر، وله سلطة عليه، فإن لم يقدر على التغيير باليد فلينكر باللسان بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والنصيحة بالتي هي أحسن، ومن الإنكار باللسان إبلاغ من يستطيع أن يمنع هذا المنكر، وعليه أن يبذل جهده في ذلك، فإن عجز عنه فقد قام بما يجب عليه، ويرفع عنه الإثم أن ينكره بقلبه، فإن قصر في إنكار المنكر بحسب استطاعته فهو شريك للعاصي في معصيته، وعليه إثم المعصية.

فإن بذل جهده وأدى واجبه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, ولم يستجب له العاصي فلا شيء عليه، قال الشيخ الشنقيطي -رحمه الله-: “ومَن أنكر بحسب طاقته فقد سلِم من هذه المعصية، ومن رضي بها وتابع عليها فهو عاص كفاعلها”(1).

وفي قوله تعالى: ﴿لُعِنَ﴾ [المائدة:78] أي: لعنهم الله -عز وجل-، واللعن هو الطرد من رحمة الله، وهذا غاية في التغليظ؛ إذ علل استحقاقهم اللعنة باستهانتهم بأمر الله، وتركهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والله -عز وجل- جعل معيار الخيرية في أي أمة هو الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، كما جعل معيار اللعنة على أي أمة ألا يتناهى فيها عن المنكر، ولا يُؤمر بالمعروف.

وقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة:78], بنو إسرائيل: هم بنو يعقوب، وكان يسمى: إسرائيل، أي: سري الله، لكن لم يُذكروا في القرآن إلا أُضيفوا إلى إسرائيل، ولم يسموا في القرآن بني يعقوب.

ومتى ذُكر إبراهيم وإسحاق ويعقوب لم يسم إسرائيل، وذلك لحكمة فرقانية، وهو أن القوم لما خُوطبوا بعبادة الله، وفكروا بدين أسلافهم موعظة لهم، وتنبيهاً من غفلتهم سموا بالاسم الذي فيه تذكرة بالله، فإن إسرائيل اسم مضاف إلى الله تعالى في التأويل، ألا ترى كيف نبه على هذا المعنى الرسول -صلى الله عليه وسلم- حين دعا إلى الإسلام قوماً يقال لهم: بنو عبد الله، فقال لهم: «يا بني عبد الله إن الله قد حسن اسم أبيكم»(2), يحرضهم بذلك على ما يقتضيه اسمهم من العبودية لله، فكذلك قوله سبحانه: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [البقرة:40], إنما ورد في معرض التذكرة لهم بدين أبيهم وعبوديته لله، فكان ذكرهم بهذا الاسم أليق بمقام التذكرة، والتحريض من أن يقول لهم: يا بني يعقوب.

ولما ذكر موهبته لإبراهيم وتبشيره بإسحاق ثم يعقوب كان لفظ يعقوب أولى بذلك المقام؛ لأنها موهبة بعقب أخرى، وبشرى عُقّب بها بشرى، وإن كان اسم يعقوب عبرانياً، ولكن لفظه موافق للعربي في العقب والتعقيب، فانظر مشاكلة الاسمين للمقامين، فإنه من باب النظر في إعجاز القرآن، وبلاغة ألفاظه، وتنزيل الكلام في منازله اللائقة به(3).

إذًا: بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب، ومن تناسلوا منهم فيما بعد إلى عهد موسى، ومن جاء بعده من الأنبياء، حتى عهد عيسى -عليه السلام-، وحتى عهد نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-، وقد عرفوا (باليهود) أو بـ(يهود) من قديم الزمان، أما من آمنوا بعيسى فقد أصبحوا يطلق عليهم اسم (النصارى)، وأما من آمن بخاتم الأنبياء فقد أصبح في عداد المسلمين، ويعرفون بمسلمي أهل الكتاب(4).

وقد أكثر الله من خطابهم ببني إسرائيل في القرآن الكريم -كما قلنا سابقاً-؛ تذكيراً لهم بأبوة هذا النبي الصالح حتى يتأسوا به، ويتخلقوا بأخلاقه، ويتركوا ما كانوا عليه من نكران نعم الله عليهم وعلى آبائهم، وما كانوا يتصفون به من الجحود والغدر واللؤم والخيانة، وكذلك ذكرهم الله سبحانه باسم اليهود في غير ما آية، وأشهر كتب اليهود هي: التوراة، وقد ذكرها الله في قوله تعالى: ﴿الم * اللّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ * مِن قَبْلُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران:1-4].

وقوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:78] أي: لسانيهما، وأُفرد لعدم اللبس، إن أريد باللسان الجارحة، وقيل: المراد به الكلام، وما نزل عليهما كذا في (العناية).

“وعن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:78]قال: لعنوا بكل لسان، لعنوا على عهد موسى في التوراة، ولعنوا على عهد داود في الزبور، ولعنوا على عهد عيسى في الإنجيل، ولعنوا على عهد محمد -صلى الله عليه وسلم- في القرآن.

وقال قتادة: لعنهم الله على لسان داود في زمانهم، فجعلهم قردة خاسئين، وفي الإنجيل على لسان عيسى، فجعلهم خنازير”(5).

وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل كان الرجل يلقي الرجل، فيقول: يا هذا، اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل لك، ثم يلقاه من الغد، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض, ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:78].. إلى قوله: ﴿فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:81], ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي الظالم، ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً»(6).

وفي رواية أبي عبيدة: «فضرب الله على قلوب بعضهم ببعض، ونزل فيهم القرآن، فقال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:78] حتى بلغ: ﴿وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [المائدة:81]»(7).

وضرب القلوب بهذا العقاب -نسأل الله السلامة- إن هو إلا التخبط والحيرة، وكثرة الفساد، وتيه الناس عن الجادة، والتفكك الاجتماعي والأخلاقي والنفسي… إلخ، وما أقساها من عقوبة!

وفي قوله: ﴿عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ﴾ [المائدة:78] أي: الذي كان على شريعة موسى -عليه السلام-؛ وذلك باعتدائهم في السبت، فصاروا قردة.

﴿وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة:78] أي: الذي نسخ شرع موسى -عليه السلام-, بكفرهم بعد المائدة، فمسخوا خنازير؛ لأنهم خالفوا النبيين معاً, فلا هم تعبدوا بما دعاهم إليه داود -عليه السلام- من شرعهم الذي هم مدعون التمسك به, وعارفون بأن ما دعاهم إليه منه حقاً, ولا هم خرجوا عنه إلى ما أمروا بالخروج إليه على لسان موسى -عليه السلام- في بشارته به متقيدين بطاعته, فلم تبق لهم علة من التقيد به، ولا التقيد بحق دعاهم إليه غيره, فعلم قطعاً أنهم مع الهوى كما مضى, ولم ينفعهم مع نسبتهم إلى واحدة من الشريعتين نسبتهم إلى إسرائيل -عليه السلام-، فإنه لا نسب لأحد عند الله دون التقوى، لا سيما في يوم الفصل؛ إذ الأخلاء يومئذٍ بعضهم لبعض عدو إلا المتقين(8).

قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: لعنهم الهائل: ﴿بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة:78] أي: ذلك اللعن بسبب المعصية والاعتداء، لا بسبب آخر، بل هو بسبب عصيانهم واعتدائهم بقتل الأنبياء، واستحلال المعاصي، وتركهم النهي.

قال الزمخشري: “فإن قلت: كيف وقع ترك التناهي عن المنكر تفسيراً للمعصية والاعتداء؟ قلت: من قِبَلِ أن الله تعالى أمر بالتناهي، فكان الإخلال به معصية، وهو اعتداء”(9).

وقال سيد قطب -رحمه الله-: “فهي المعصية والاعتداء يتمثلان في كل صورهما الاعتقادية والسلوكية على السواء، وقد حفل تاريخ بني إسرائيل بالمعصية والاعتداء، كما فصل الله في كتابه الكريم، ولم تكن المعصية والاعتداء أعمالاً فردية في مجتمع بني إسرائيل، ولكنها انتهت إلى أن تصبح طابع الجماعة كلها؛ وأن يسكت عنها المجتمع؛ ولا يقابلها بالتناهي والنكير: ﴿كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:79].

إن العصيان والعدوان قد يقعان في كل مجتمع من الشريرين المفسدين المنحرفين، فالأرض لا تخلو من الشر؛ والمجتمع لا يخلو من الشذوذ، ولكن طبيعة المجتمع الصالح لا تسمح للشر والمنكر أن يصبحا عرفاً مصطلحاً عليه؛ وأن يصبحا سهلاً يجترئ عليه كل من يهم به، وعندما يصبح فعل الشر أصعب من فعل الخير في مجتمع من المجتمعات؛ ويصبح الجزاء على الشرك رادعاً وجماعياً تقف الجماعة كلها دونه؛ وتوقع العقوبة الرادعة عليه, عندئذٍ ينزوي الشر، وتنحسر دوافعه، وعندئذٍ يتماسك المجتمع فلا تنحل عراه، وعندئذٍ ينحصر الفساد في أفراد أو مجموعات يطاردها المجتمع، ولا يسمح لها بالسيطرة؛ وعندئذٍ لا تشيع الفاحشة، ولا تصبح هي الطابع العام”(10).

وقوله: كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة:79] أي: لا ينهي بعضهم بعضاً عن فعل المعاصي، وبيان العصيان والاعتداء بترك التناهي عن المنكر؛ لأن من أخل بواجب النهي عن المنكر فقد عصى الله سبحانه، وتعدى حدوده؛ لأن الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر من أهم القواعد الإسلامية، وأجل الفرائض الشرعية؛ ولهذا كان تاركه شريكاً لفاعل المعصية، ومستحقاً لغضب الله وانتقامه، كما وقع لأهل السبت، فإن الله سبحانه مسخ من لم يشاركهم في الفعل، ولكن ترك الإنكار عليهم، كما مسخ المعتدين فصاروا جميعاً قردة وخنازير, ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق:37], وجاء هذا الذم ليحذر من ارتكاب مثل الذي ارتكبوه.

وانظر في المقابل في هذه الأمة: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران:110] ما هي مسوغات هذه الخيرية؟! وهل هي منحة بدون مقابل؟ وهل هي هبة من الله بدون شيء؟ لا، بل لها سبب، فاستحقت الأمة الحكم لها بالخيرية بأمرها بالمعروف، ونهيها عن المنكر.

وقوله: ﴿يَتَنَاهَوْنَ﴾ [المائدة:79] من التناهي، قال الفخر الرازي: “وللتناهي هاهنا معنيان:

أحدهما: وهو الذي عليه الجمهور أنه تفاعل من النهي، أي: كانوا لا ينهي بعضهم بعضاً.

والمعنى الثاني: في التناهي أنه بمعنى الانتهاء عن الأمر، تناهى عنه إذا كف عنه”(11).

وهذا شر ما تصاب به الأمم حاضرها ومستقبلها: أن تفشو فيها المنكرات والسيئات والرذائل، فلا تجد من يستطيع تغييرها وإزالتها.

وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة:79] أي: وهو تركهم التناهي، عن كل منكر فعلوه، وأطلق على ترك التناهي لفظ الفعل في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ﴾ مع أنه ترك؛ لأن السكوت على المنكر لا يخلو من إظهار الرضا به، والمشاركة فيه(12).

يقول علماء الأصول: الترك فعل في صحيح المذهب، فإذا رأى إنسان منكراً وهو يستطيع أن ينكره، وترك النهي فهو كالذي فعله، ولو أن إنساناً وجد آخر يسبح في الماء وأوشك على الغرق، ويستطيع أن ينقذه دون مضرة عليه؛ فتركه حتى غرق فهو مشارك في مسئولية غرقه، ويقولون أيضاً: لو أن إنساناً في فلاة ووجد ظمآناً يكاد أن يهلك من العطش، وعنده فضل ماء يزيد على حاجته وتركه ولم يسقه فمات، فهو مسئول عنه(13).

وانظر كيف أكد ذلك بلام القسم في قوله: ﴿لَبِئْسَ﴾ [المائدة:79], فكأنه سبحانه قال: أقسم لبئس ما كانوا يفعلون، وهو ارتكاب المعاصي والعدوان، وترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

وكل ذلك تعجباً من سوء فعلهم، كيف لا وقد أداهم إلى ما أداهم من اللعن الكبير! فيا حسرة على المسلمين في إعراضهم عن التناهي عن المناكير، وقلة عنايتهم به، كأنه ليس من ملة الإسلام في شيء، مع ما يتلون من كلام الله، وما فيه من المبالغات في هذا الباب!

وما في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا﴾ [المائدة:79] جعلها الزجاج مصدرية، وقال: “التقدير: لبئس شيئاً فعلهم، قال القاضي أبو محمد: وفي هذا نظر، وقال غيره: ﴿مَا﴾ نكرة موصوفة، التقدير: لبئس الشيء الذي كانوا يفعلون فعلاً(14).

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- هذه الآية تبين أن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للعنة، حيث أخبر سبحانه أن من أسباب لعن الأمم المتقدمة من بني إسرائيل خاصة تركهم هذه الفريضة؛ تحذيراً من الاتصاف بصفتهم، أو أن نفعل مثل فعلهم، فنستحق مثل جزائهم، قال ابن كثير -رحمه الله تعالى-: “يخبر تعالى أنه لعن الكافرين من بني إسرائيل من دهر طويل، فيما أنزل على داود نبيه -عليه السلام-، وعلى لسان عيسى ابن مريم؛ بسبب عصيانهم لله، واعتدائهم على خلقه، قال العوفي عن ابن عباس: لعنوا في التوراة، وفي الإنجيل، وفي الزبور، وفي الفرقان”(15).

2- ودلت الآية على المنع من الذرائع التي تبطل مقاصد الشرع؛ لما رواه أكثر المفسرين أن الذين لعنهم داود -عليه السلام- أهل أيلة الذين اعتدوا في السبت، واصطادوا الحيتان فيه.

3- ودلت أيضاً على وجوب النهي عن المنكر، قال الحاكم: “وتدل على أن ترك النهي من الكبائر(16).

4- وفي الآية جواز لعن الكافر غير المعين: كاليهود والنصارى.. وغيرهم من الكفار عموماً، فقد ورد لعنهم في كتاب الله -عز وجل-، كما في هذه الآية قال تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ [المائدة:78], وجاء لعنهم في الحديث الشريف، روى الشيخان من حديث عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»(17), وهذا لا يتنافى مع قوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يكون المؤمن لعاناً»(18)؛ لأن لعاناً صيغة مبالغة، ومعناها كثير اللعن، وأما اللعن لمن ورد لعنه في الكتاب والسنة، فلا حرج فيه.

5- وفي الآية: حرمة السكوت عن المنكر، ووخامة عاقبته على المجتمع.

____________________________________________

(1) أضواء البيان (1/ 467).

(2) ورد الحديث في: دلائل النبوة للبيهقي (2/ 418)، والبداية والنهاية لابن كثير (3/ 139)، وتاريخ الطبري (1/ 556), وسيرة ابن هشام (2/ 32-33).

(3) انظر: الروض الأنف ح (1) (ص:249) بتصرف.

(4) اتفق العلماء أن المراد بأهل الكتاب هم اليهود النصارى، قال ابن حجر: “فأما اليهود والنصارى فهم المراد بأهل الكتاب بالاتفاق” فتح الباري لابن حجر ج (9) (ص:424), إلا أنه يوجد أهل كتب غير اليهود والنصارى, يقول ابن قدامة -رحمه الله-: “لكن في أهل الكتب غير اليهود والنصارى مثل أهل صحف إبراهيم وشيث وزبور داود، ومن تمسك بدين آدم، وفيهم وجهان:

أحدهما: يقرون بالجزية؛ لأنهم أهل كتاب فأشبهوا اليهود والنصارى” الشرح الكبير ج (10) (ص:588).

(5) انظر: تفسير الطبري (جامع البيان ت شاكر) (10/ 490), والدر المنثور في التفسير بالمأثور (3/ 126).

(6) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم، باب الأمر والنهي (4/ 121-4336), وضعفه الألباني، انظر: ضعيف الجامع الصغير (ص:262).

(7) تفسير الطبري – جامع البيان ت شاكر (10/ 493).

(8) نظم الدرر (2/ 810).

(9) الكشاف ج (2) (ص:57).

(10) في ظلال القرآن (2/ 405).

(11) تفسير الفخر الرازي ج (12) (ص:64).

(12) انظر: التحرير والتنوير ج (1) (ص:1182).

(13) تفسير سورة الحجرات – عطية سالم ج (7) (ص:4).

(14) المحرر الوجيز ج (2) (ص:327).

(15) تفسير ابن كثير – ط العلمية (3/ 145).

(16) تفسير القاسمي – محاسن التأويل (4/ 221).

(17) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب ما جاء في قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأبي بكر، وعمر -رضي الله عنهما- (2/ 102-1390), ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب النهي عن بناء المساجد، على القبور واتخاذ الصور فيها, والنهي عن اتخاذ القبور مساجد (1/ 376-19) (529).

(18) أخرجه الترمذي (ت بشار) في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في اللعن والطعن (3/ 439-2019), وهو (صحيح), انظر: المشكاة (4848), والسنة (1014).

Leave a comment

Your email address will not be published.

*