عوامل نجاح العمل الاحتسابي

الحمد لله, والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد

فإن التحديات التي تواجه شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كثيرة, ولا تخفى على أهل البصيرة؛ فمن يقوم بالاحتساب اليوم قليل من قليل؛ إذ العلم بهذه الشعيرة وأهميتها يخفى على كثير من المسلمين، وكثير من الذين يعلمون بها وبأهميتها لا يعملون بها، ومن يعمل بها فقليل, منهم من يواظب عليها ويجعلها همه وشغله الشاغل، وليس هذا بالأمر الجديد، فقد عانى أهل العلم قديماً من غربة هذه الشعيرة, وخافوا من اندراس معالمها، قال أبو حامد الغزالي -رحمه الله- متحدثاً عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: “وقد كان الذي خفنا أن يكون، فإنا لله وإنا إليه راجعون؛ إذ قد اندرس من هذا القطب عمله وعلمه، وانمحق بالكلية حقيقته ورسمه، فاستولت على القلوب مداهنة الخلق، وانمحت عنها مراقبة الخالق، واسترسل النَّاسُ فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ اسْتِرْسَالَ الْبَهَائِمِ، وعزَّ(1) عَلَى بِسَاطِ الْأَرْضِ مُؤْمِنٌ صَادِقٌ لَا تَأْخُذُهُ في الله لومة لائم، فمن سعى في تلافي هذه الفترة، وسد هذه الثلمة، إما متكفلاً بعملها، أو متقلداً لتنفيذها، مجدداً لهذه السنة الداثرة، ناهضاً بأعبائها, ومتشمراً في إحيائها؛ كان مستأثراً من بين الخلق بإحياء سنة أفضى الزمان إلى إماتتها، ومستبداً بقربة تتضاءل درجات القرب دون ذروتها”(2)

وبرغم ذلك فإن هذا العصر الذي نعيش فيه يشهد بوادر صحوة احتسابية في بلادنا المباركة، لتكون مكملة للصحوة الدعوية, ومن ثَمَّ العلمية التي شهدتها العقود الثلاثة الماضية، وفي هذا تحقيق لسنة الله سبحانه وتعالى في التدافع بين الحق والباطل, والخير والشر، فالحملة التغريبية الشرسة التي تتعرض لها بلادنا اليوم -وهي أشبه ما تكون بالحملة التي تعرضت لها مصر في بدايات القرن العشرين الميلادي- أدت إلى وجود رد فعل قوي من قِبل الغيورين على هذا الدين, وعلى هذه البلاد الطيبة وأهلها، ظهر في التنادي لإحياء هذه الشعيرة، وتطبيعها بين أفراد المجتمع.

وقد ساعد على هذه الصحوة المباركة أمور عدة؛ لعل من أبرزها: كشف الحملة التغريبية عن برقع الحياء, وتكشيرها عن أنيابها، فبعد أن كانت تتوسل إلى هدفها طرقاً ملتوية لا يظهر أثرها إلا بعد مدة طويلة، فإذا بها اليوم تتحدى مشاعر الناس ومعتقداتهم, وتحاول حرق المراحل بسرعة كبيرة، وهو ما أدى لظهور ردات فعل معاكسة عند الناس الطيبين، وما أكثرهم.

ولعل مما ساعد على هذه الصحوة أيضاً: ظهور وسائل التواصل الحديثة, واتساع انتشارها, وقوة تأثيرها؛ حيث باتت مواقعها ساحاتٍ مفتوحةً لطرح الأفكار وتنظيم الحملات، وهو ما استفاد منه الجميع على حد سواء، أهل الخير والصلاح، وأهل الشر والفساد.

ولئن كانت الحملة التغريبية تسعى لمحاصرة الاحتساب وتشويهه، ولئن كانت جهود أربابها تثمر في بعض الأحيان، فإن هذا لا ينبغي أن يجعلنا نيأس، فبدل التباكي على الطرق المسدودة والأبواب المغلقة، يجب علينا الاستفادة من الفرص المتاحة, وولوج الأبواب المفتوحة، بل السعي لفتح الأبواب المغلقة.

وقد يكون من أهم العوامل الكفيلة بنجاح العمل الاحتسابي بعد توفيق الله سبحانه وتعالى: العمل المؤسسي، بمعنى ألا يكتفى بالعمل الفردي، فهذا وإن كان مهماً بالنسبة لكل فرد في محيطه الضيق، إلا أننا بحاجة إلى مشاريعَ احتسابيةٍ ذات انتشار كبير؛ لتؤثر وتؤتي أكلها، ونحن نرى اليوم -والحمد لله- بعض المشايخ الفضلاء يقومون بإنشاء المكاتب الاحتسابية التي تشرف على مجموعات المحتسبين وتوجههم، وتقدم لهم النصائح, وتنظم جهودهم في التعامل مع المنكرات المختلفة، كما نرى مبادرات احتسابية جماعية يقوم بها فضلاء وفاضلات في مختلف مناطق المملكة، فلا بد من تشجيع هذه المبادرات ودعمها والإكثار منها.

ومن العوامل المهمة كذلك لنجاح العمل الاحتسابي: التكامل في العمل بين المحتسبين، فكل ميسر لما خلق له، وأبواب الاحتساب كثيرة ومتنوعة تنوع المنكرات والمخالفات الشرعية؛ فهناك مخالفات في مجال العقيدة والفكر، وهناك مخالفات في مجال الاقتصاد والأموال، وأخرى في مجال العلاقات الاجتماعية، ورابعة في المجال السياسي.. وهكذا.

إن التكامل المطلوب بين المحتسبين ينبغي أن يكون على أكثر من مستوى، فتكامل بين حملة العلم الشرعي المهتمين بالاحتساب وبين المحتسبين المباشرين أو التنفيذيين الذين يقومون بالإنكار، وذلك بأن يمدوهم بالمادة العلمية, ويتشاورون معهم في الوسائل والطرق الاحتسابية؛ وتكامل بين المحتسبين في المجال الواحد عبر التنسيق والقيام بحملات احتسابية موحدة، أو توزيع الأدوار على المخالفات المتعددة في المجال الواحد؛ بحيث لا يتم التركيز على منكرات بعينها وإهمال غيرها؛ وأخيراً تكامل بين المحتسبين في المجالات المختلفة، عبر التعاضد والتكاتف وتبادل الخبرات, وتقدير كل فريق جهود الفريق الآخر، وعبر المشاركة أيضاً في أعماله، فالتخصص في جانب من جوانب الاحتساب لا يعني عدم المشاركة في غيره، بل إنه في بعض الأحيان يتعين على المرء أن ينكر المنكر, وليس بالضرورة أن يكون في مجاله.

ومن العوامل المهمة أيضاً: التحلي بروح الابتكار والتجديد في أدوات ووسائل العمل الاحتسابي، مثل: عمل الملتقيات الجماهيرية ذات الطابع التفاعلي الذي يجمع بين الترفيه المباح والفائدة، ومنها: إقامة أنشطة عادية وصبغها بطابع احتسابي، كالتجربة الرائدة لبعض الأخوات الفاضلات في استئجار مدينة ألعاب في يوم محدد, وقصر الدخول على المحتشمات، وهذا لا يعني بحال التخلي عن الوسائل المعروفة سابقاً: كالنصيحة المباشرة, أو الزيارة, أو الرسالة.. إلى غير ذلك, فإنها تبقى الأصل الذي لا ينبغي التفريط فيه.

هذه بعض عوامل نجاح العمل الاحتسابي، لكن يبقى العامل الرئيس الذي لا غنى عنه البتة، وهو العامل الإيماني، فلا بد أن يخلص المحتسب في عمله, ويبتغي به وجه الله تعالى، ولا بد كذلك أن يتحرى موافقة السنة في عمله كله، ولا بد أن يكون قلبه متعلقاً بالله سبحانه وتعالى, متوكلاً عليه راجياً ما عنده من الخير, مستعيذاً به من الزلل والخلل، ولا بد أن يملأ قلبه بالشفقة والرحمة والمحبة لإخوانه الذين وقعوا في المخالفات على تنوعها, ومهما بلغت فداحتها.

فاللهَ نسأل أن يوفقنا وإخواننا المسلمين لما يحب ويرضى, من القيام بهذه الشعيرة على الوجه الذي يرضاه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد.

_________________

(1) أي: قل وندر.

(2) إحياء علوم الدين (2/ 306)

Leave a comment

Your email address will not be published.


*