وقفات مع آيات الحسبة

الوقفة الأولى: التحذير من إيذاء القائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فهذه هي الوقفة الأولى مع آيات الحسبة في القرآن الكريم الذي هو مصدر التشريع الأول؛ وهو كتاب الحياة، وروحها وباعثها، وهو قوامها وكيانها، وهو حارسها وراعيها، وهو بيانها وترجمانها، وهو دستورها ومنهجها، وهو المرجع الذي نستمد منه الإيمان والأخلاق والفضائل، وهو مناهج الحركة، وزاد الطريق، وهو دستور هذه الأمة في أي جيل، ومن أي قبيل، وهو حادي الطريق، وهادي السبيل على توالي القرون.

الآية الأولى: قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:21].

لقد جاءت هذه الآية لبيان بعض أحوال اليهود المنافية لإسلام الوجه لله، فهم المقصودون بهذه الصفات؛ لأنهم قد عرفوا بمضمونها في مواضع كثيرة من القرآن.

ولا يمنع أن تُحمل على النصارى أيضاً، فقد قال ابن عطية: قال محمد بن جعفر بن الزبير.. وغيره: “إن هذه الآية في اليهود والنصارى”(1).

إلا أن ذكْر هذه الصفات -من الكفر بآيات الله، مصحوباً بقتل النبيين بغير حق، وقتل الذين يأمرون بالقسط من الناس- يوحي بأن التهديد كان موجهاً لليهود، فهذه سمتهم في تاريخهم، يُعرفون بها متى ذُكرت!

يقول سيد قطب -رحمه الله-: “ولكن هذا لا يمنع أن يكون الكلام موجهاً للنصارى كذلك، فقد كانوا حتى ذلك التاريخ قتلوا الألوف من أصحاب المذاهب المخالفة لمذهب الدولة الرومانية المسيحية، بما فيهم من جاهروا بتوحيد الله تعالى، وبشرية المسيح -عليه السلام-، وهؤلاء ممن يأمرون بالقسط.

كما أنه تهديد دائم لكل من يقع منه مثل هذا الصنيع البشع، وكثير ما هم في كل زمان، ويحسن أن نتذكر دائماً ماذا يعني القرآن بوصف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ﴾ [آل عمران:21]؟ فليس المقصود فقط من يعلن كلمة الكفر، إنما يدخل في مدلول هذا الوصف من لا يقر بوحدة الألوهية، وقصر العبودية عليها، وهذا يتضمن بصراحة وحدة الجهة التي تصرّف حياة العباد بالتشريع والتوجيه والقيم والموازين، فمن جعل لغير الله شيئاً من هذا ابتداء فهو مشرك به، أو كافر بألوهيته، ولو قالها ألف مرة باللسان!”(2).

ويقول محمد الطاهر بن عاشور -رحمه الله-: “والمراد من أصحاب هذه الصفات يهود العصر النبوي؛ لأنهم الذين توعدهم بعذاب أليم، وإنما حمل هؤلاء تبعة أسلافهم؛ لأنهم معتقدون سداد ما فعله أسلافهم الذين قتلوا زكريا… فكان هذا القتل معدوداً عليهم، وكم قتلوا ممن يأمرون بالقسط، وكل تلك الجرائم معدودة عليهم؛ لأنهم رضوا بها، وألحوا في وقوعها(3).

ويقول القرطبي -رحمه الله-: “قال أبو العباس المبرد: كان ناس من بني إسرائيل جاءهم النبيون يدعونهم إلى الله -عز وجل- فقتلوهم، فقام أناس من بعدهم من المؤمنين فأمروهم بالإسلام فقتلوهم؛ ففيهم نزلت هذه الآية، وكذلك قال معقل بن أبي مسكين: كانت الأنبياء -صلوات الله عليهم- تجيء إلى بني إسرائيل بغير كتاب فيقتلونهم، فيقوم قوم ممن اتبعهم فيأمرون بالقِسط –أي: بالعدل- فيُقتَلون.

وروى شعبة عن أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن عبد الله قال: كانت بنو إسرائيل تقتل في اليوم سبعين نبياً، ثم تقوم سُوقُ بَقْلِهم من آخر النهار!(4). وهذا دليل على عدم اكتراثهم بما يفعلون.

وقال ابن كثير في هذه الآية: “هذا ذم من الله تعالى لأهل الكتاب فيما ارتكبوه من المآثم والمحارم، في تكذيبهم بآيات الله قديماً وحديثاً، التي بلغتهم إياها الرسل، استكباراً عليهم، وعناداً لهم، وتعاظماً على الحق، واستنكافاً عن اتباعه، ومع هذا قتلوا من قتلوا من النبيين حين بلغوهم عن الله شرعه، بغير سبب، ولا جريمة منهم إليهم، إلا لكونهم دعوهم إلى الحق ﴿وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:21]، وهذا هو غاية الكبر، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «الكبر بطر الحق، وغمْط الناس»(5)(6).

والمتأمل في هذه الصفات الواردة في الآية، وهي: ﴿يَكْفُرُونَ﴾ و﴿يَقْتُلُونَ﴾ يجد أنها جاءت بالأفعال المضارعة؛ لتدل على استحضار الحالة الفظيعة، وليس المراد منها إفادة التجدد؛ لأن ذلك وإن تأتّى في قوله: ﴿يَكْفُرُونَ﴾ لا يتأتى في قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾؛ لأنهم قتلوا الأنبياء والذين يأمرون بالقسط في زمن مضى وانتهى.

وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ﴾ [آل عمران:21]، قال الطبري -رحمه الله-: “أي: يجحدون حجج الله وأعلامه، فيكذّبون بها”(7).

وقيل: يجحدون بآيات الله يعني: القرآن.

وفي إبراز الاسم الأعظم في قوله: ﴿بآيات الله﴾ إشارة إلى عظيم كفرهم؛ بكونه مما أضيف إليه سبحانه وتعالى(8).

يقول الرازي: “فإن قيل: ظاهر الآية يقتضي كونهم كافرين بجميع آيات الله، واليهود والنصارى ما كانوا كذلك! لأنهم كانوا مقرين بالصانع وعلمه وقدرته والمعاد!

قلنا: الجواب من وجهين:

الأول: أن نصرف آيات الله إلى المعهود السابق، وهو القرآن، ومحمد -صلى الله عليه وسلم-.

الثاني: أن نحمله على العموم، ونقول: إن من كذب بنبوة محمد -صلى الله عليه وسلم- يلزمه أن يكذب بجميع آيات الله تعالى؛ لأن من تناقض لا يكون مؤمناً بشيء من الآيات؛ إذ لو كان مؤمناً بشيء منها لآمن بالجميع”(9).

وقال الرازي أيضاً: “وإذا كان قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ﴾ [آل عمران:21]، في حكم المستقبل؛ لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول -عليه الصلاة والسلام-، ولم يقع منهم قتل الأنبياء، ولا القائمين بالقسط، فكيف يصح ذلك؟

والجواب من وجهين:

الأول: أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم؛ إذ كانوا مصوبين، وبطريقتهم راضين، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن إذا كان راضياً به، وجارياً على طريقته.

الثاني: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقتل المؤمنين، إلا أنه تعالى عصمه منهم، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز، كما يقال: النار محرقة، والسم قاتل، أي: ذلك من شأنهما إذا وجد القابل، فكذا هاهنا لا يصح أن يكون إلا كذلك”(10).

“وفي قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران:21] ظاهره مشعر بأنهم قتلوا الكل، ومعلوم أنهم ما قتلوا الكل، ولا الأكثر ولا النصف!

والجواب: أن الألف واللام محمولان على المعهود، لا على الاستغراق”(11).

ولما كان قتلهم إياهم بدون شبهة أصلاً، بل لمحض الكفر والعناد؛ لأن الأنبياء مبرؤون من أن يكون لأحد قبلهم حق دنيوي أو أخروي، قال: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:21] أي: لا صغير ولا كبير في نفس الأمر، ولا في اعتقادهم، فهو أبلغ مما في البقرة على عادة أفعال الحكماء في الابتداء بالأخف فالأخف.

قال ابن عادل: “قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:21] قرأ الحسن هذه والتي بعدها بالتشديد، أي: (يقتّلون) ومعناه: التكثير.

وجاء هنا: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:21] منكَّراً، وفي البقرة: ﴿بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة:61] معرَّفاً، فقيل: لأن الجملة هنا أخرجت مخرج الشرط، وهو عام لا يتخصص؛ فلذلك ناسبَ أن تذكر في سياق النفي لتعمَّ، وأما في البقرة فجاءت الآية في ناسٍ معهودين مختصين بأعيانهم، وكان الحق الذي يُقْتَل به الإنسان معروفاً عندهم، فلم يقصد هذا العموم الذي هنا، فجِيء في كل مكان بما يناسبه”(12).

ولهذا قال الرازي: “وإذا قيل: ما الفائدة في قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:21]، وقتل الأنبياء لا يكون إلا كذلك؟

والجواب: ذكرنا وجوه ذلك في سورة البقرة، والمراد منه شرح عظم ذنبهم، وأيضاً يجوز أن يكون المراد أنهم قصدوا بطريقة الظلم في قتلهم طريقة العدل(13).

وقال ابن عاشور -رحمه الله-: “وقوله: ﴿بِغَيْرِ حَقٍّ﴾ [آل عمران:21] ظرف مستقر في موضع الحال المؤكدة لمضمون جملة: ﴿يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران:21]؛ إذ لا يكون قتل النبيين إلا بغير حق، وليس له مفهوم؛ لظهور عدم إرادة التقييد والاحتراز؛ فإنه لا يقتل نبي بحق، فذكر القيد في مثله لا إشكال عليه، وإنما يجيء الإشكال في القيد الواقع في حيز النفي، إذا لم يكن المقصود تسلط النفي عليه، مثل قوله تعالى: ﴿لاَ يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة:273]، وقوله:﴿وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [البقرة:41]، وقد تقدم في سورة البقرة، والمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم”(14).

ولما خص ذكر أكمل الخلق -وهم الأنبياء- عبر بما يعم أتباعهم، فقال معيداً للفعل زيادة في لومهم وتقريعهم: ﴿وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:21] أي: العدل.

ولما كان ذلك شاملاً لمن لا قدرة لهم على قتله من الملائكة قال: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ أي: كلهم، سواء كانوا أنبياء أو لا، ويجوز أن يكون المراد بهذا القيد: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ زيادة توبيخهم بأنهم يقتلون جنسهم الذي من حقهم أن يألفوه، ويسعوا في بقائه، وهذا تحقيق لأن قتلهم لمجرد العدوان…(15).

وموقع ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ الإعرابي: إما بيان، وإما للتبعيض، وكلاهما معلوم أنهم من الناس، فهو جارٍ مجرى التأكيد(16).

وفي قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس﴾ [آل عمران:21] قال ابن عادل: “قوله: ﴿وَيَقْتُلُونَ الذين﴾قرأ حمزة ﴿وَيُقَاتِلُونَ﴾ من المقاتلة، والباقون: ﴿وَيَقْتُلُونَ﴾ كالأول.

فأما قراءة حمزة فإنه غاير فيها بين الفعلين، وهي موافقة لقراءة عبد الله: ﴿وَقَاتَلُوا﴾ من المقاتلة، إلا أنه أتى بصيغة الماضي، وحمزة يحتمل أن يكون المضارع في قراءته لحكاية الحال، ومعناه: المُضِيّ.

وأما الباقون فقيل في قراءتهم: إنما كرر الفعل لاختلاف متعلَّقه، أو كُرِّرَ تأكيداً، وقيل: المراد بأحد القتلَيْن إزهاق الروح، وبالآخر الإهانة، وإماتة الذكر؛ فلذلك ذكر كل واحد على حدته، ولولا ذلك لكان التركيبُ: ويقتلون النَّبِيِّينَ والذين يأمرون، وبهذا التركيب قرأ أبَيّ”(17).

وقال الألوسي في سبب تكرار الفعل: ﴿يَقْتُلُونَ﴾: “ولعل تكرير (الفعل) للإشعار بما بين القتلين من التفاوت، أو باختلافهما في الوقت(18).

وقوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:21] قال الفخر: “هذا محمول على الاستعارة، وهو أن إنذار هؤلاء بالعذاب قائم مقام بشرى المحسنين بالنعيم، والكلام في حقيقة البشارة تقدم في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [البقرة: 25]”(19) انتهى.

وقال الماوردي في قوله: ﴿فَبَشِّرْهُم﴾: “أي: فأخبرهم، والأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير، وقد تستعمل في الإِخبار بالشر، كما استعملت في هذا الموضع، وفي تسميتها بذلك وجهان:

أحدهما: لأنها تغير بَشْرَةَ الوجه بالسرور في الخير، وبالغم في الشر.

والثاني: لأنها خبر يستقبل به البشرة”(20).

وقال ابن عاشور: “واستعمل “بشرهم” في معنى: “أنذرهم” تهكماً، وحقيقة التبشير: الإخبار بما يظهر سرور المخبر (بفتح الباء)، وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته؛ إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب لحزن المخبرين، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمونها تهكمية؛ لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى التهكم أو التمليح، كما أطلق عمرو بن كلثوم اسم الأضياف على الأعداء، وأطلق القرى على قتل الأعداء في قوله:

نزلتم منزل الأضياف منا *** فعجلنا القرى أن تشتمونا

قريناكم فعجلنا قراكم *** قبيل الصبح مرداة طحونا

قال السكاكي: وذلك بواسطة انتزاع شبه التضاد، وإلحافه بشبه التناسب”(21) انتهى.

ما يؤخذ من الآية من الفوائد والأحكام:

1- في الآية دليل على مشروعية الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن أدى إلى قتل الآمر به، قال ابن العربي: “قال بعض علمائنا: هذه الآية دليل على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر وإن أدى إلى قتل الآمر به، وقد بينا في كتاب (المشكلين) الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وآياته وأخباره وشروطه وفائدته… والآيات في ذلك كثيرة، والأخبار متظاهرة، وهي فائدة الرسالة، وخلافة النبوة، وهي ولاية الإلهية لمن اجتمعت فيه الشروط المتقدمة”(22).

2- وفيها دليل أيضاً أن هذه الشعيرة من الشرائع القديمة، قال القرطبي -رحمه الله-: “دلت هذه الآية على أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر كانا واجبين في الأمم المتقدمة، وهو فائدة الرسالة، وخلافة النبوة”(23).

وقد ذكر الرازي -رحمه الله-: “أن هذه الصفات الثلاث: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والإيمان بالله كانت حاصلة في سائر الأمم”(24).

وقال ابن باز -رحمه الله-: “والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر موجود في الأمم السابقة، بعث الله به الرسل، وأنزل به الكتب”(25).

ومما يدل أيضاً على أن هذه الفريضة اتفقت الشرائع على وجوبها قوله تعالى: ﴿لَيْسُواْ سَوَاء مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَآئِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللّهِ آنَاء اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ * يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُوْلَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران:13-114] وسيأتي الكلام على هاتين الآيتين.

ومما يدل على ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ [لقمان:17].

3- استنبط الحسن -رحمه الله- من هذه الآية: أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزلة الأنبياء، قال -رحمه الله-: “إن في هذه الآية دليلاً على أن الآمر بالمعروف، والناهي عن المنكر تلي منزلته عند الله منزلة الأنبياء؛ فلهذا ذُكر عقيبهم”(26). وقال جمال الدين القاسمي -رحمه الله-: “قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:21] قد دلت الآية على عظم حال من يأمر بالمعروف، وعظم ذنب قاتله؛ لأنه قرن ذلك بالكفر بالله، وقتل الأنبياء”(27).

4- من الفوائد في هذه الآية: أن على الآمر والناهي أن يعلم أن طريق الجنة محفوف بالمكاره والشوك، فهؤلاء هم الأنبياء والذين يأمرون بالقسط من الناس قد قتلوا، مع أنهم يدعون الناس إلى الحق والخير، ويدعونهم إلى فلاحهم وصلاحهم، ومع هذا قتلوهم! ولكن عاقبة هذه الفريضة التمكين في الدنيا، والرشاد والنصر على الفساق المفسدين، ولو طال الزمن؛ لأن الحق ممتحن، ومنصور أهله في الختام.

يقول محمد رشيد رضا -رحمه الله-: “وقد جرت سنة الأنبياء والمرسلين والسلف الصالحين على الدعوة إلى الخير، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وإن كان محفوفاً بالمكاره والمخاوف، فكم قتل في سبيل الله ذلك منهم من نبي وصديق، فكانوا أفضل الشهداء(28).

5- من الفوائد: أن تغيير المنكر عند الخوف وخشية تلف النفس والمال له منزلة عظيمة عند الله تعالى، وهذه عبادة لا يطيقها إلا القليل من المؤمنين، ولا سيما في الأزمنة المتأخرة، وقد طغى الشر على الخير، والفساد على الصلاح، والبدعة على السنة(29).

6- من الفوائد: أن إيذاء المصلحين الآمرين بالمعروف، والناهين عن المنكر، أو الاعتداء عليهم، أو الطعن فيهم، أو تضخيم أخطائهم، وبث الإشاعات الكاذبة عنهم جرم عظيم، وذنب كبير، تصيب المرء مغبته ومعرّته ولو بعد حين، كما قال الله في هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:21]، وفي الحديث: «إن الله تعالى قال: من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب»(30) [رواه البخاري].

7- في هذه الآية أيضاً دليل على أن من المعاصي ما يحبط حسنات الدنيا والآخرة: كالارتداد، والكفر بآيات الله، والعناد فيه، كما قال تعالى هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الِّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران:21]، ثم قال بعدها: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ﴾ [[آل عمران:22](31).

___________________________________

(1) انظر: جامع لطائف التفسير (12/ 118).

(2) انظر: في ظلال القرآن (1/ 352).

(3) التحرير والتنوير (ح (3) (ص:61-62).

(4) تفسير القرطبي (ح (4) (ص:46).

(5) أخرجه مسلم في الإيمان، باب تحريم الكبر وبيانه (ج (1) (ص:65-275).

(6) تفسير ابن كثير (ح (2) (ص:27).

(7) تفسير الطبري (ج(6) (ص:283).

(8) جامع لطائف التفسير (12/ 115) بتصرف.

(9) مفاتيح الغيب (ح (7) (ص:186).

(10) مفاتيح الغيب (ح (7) (ص:186).

(11) انظر: مفاتيح الغيب (ح (7) (ص:186-187).

(12) تفسير ابن عادل (ح (5) (ص:113).

(13) نظم الدرر (ح (2) (ص:47-48).

(14) التحرير والتنوير (ح (3) (ص:62).

(15) نظم الدرر (ح (2) (ص:47-48).

(16) انظر: تفسير ابن عادل (ح (5) (ص:114-115).

(17) اللباب في علوم الكتاب (ج (3) (ص:497).

(18) روح المعاني (ح (3) (ص:109).

(19) مفاتيح الغيب (ح (7) (ص:187).

(20) النكت والعيون (ح (1) (ص:382).

(21) التحرير والتنوير (ح (3) (ص:62-63).

(22) أحكام القرآن لابن العربي (2/ 13).

(23) الجامع لأحكام القرآن (4/ 47).

(24) انظر: مفاتيح الغيب (3/ 27).

(25) مجلة البحوث الإسلامية (28/ 8).

(26) غرائب القرآن ورغائب الفرقان (2/ 130).

(27) كتاب تفسير القاسمي (ج (4) (ص:43).

(28) تفسير المنار ج (4/ 32).

(29) تنوير البصائر للنهي عن المناكر (1/ 78).

(30) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق، باب التواضع (5/ 2384-6137).

(31) انظر: جامع لطائف التفسير (5/ 387).

 

Leave a comment

Your email address will not be published.


*